حضره وسفره ، لا يتعلم شيئا من غيره ، ثم يأتي من عنده بشئ يعجز الكل عنه ،
وعن بعضه ، ويقرأ عليهم أقاصيص الأولين .
قال الشريف الأجل المرتضى علم الهدى ، قدس الله روحه : هذه الآية تدل
على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة ، فأما بعد النبوة ، فالذي نعتقده
في ذلك التجويز لكونه عالما بالكتابة والقراءة ، والتجويز لكونه غير عالم بهما ، من
غير قطع على أحد الأمرين . وظاهر الآية يقتضي أن النفي قد تعلق بما قبل النبوة دون
ما بعدها ، ولأن التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة ، لأن
المبطلين إنما يرتابون في نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة . فأما بعد
النبوة فلا تعلق له بالريبة والتهمة ، فيجوز أن يكون قد تعلمها من جبرائيل عليه السلام بعد
النبوة .
ثم قال سبحانه : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) يعني أن
القرآن دلالات واضحات في صدور العلماء ، وهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمؤمنون به ،
لأنهم حفظوه ووعوه ، ورسخ معناه في قلوبهم ، عن الحسن . وقيل : هم
الأئمة عليهم السلام من آل محمد ، عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله ، عليهم السلام . وقيل : إن هو
كناية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي إنه في كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب ، آيات بينات في صدور
العلماء من أهل الكتاب ، لأنه منعوت في كتبهم بهذه الصفة ، عن الضحاك . وقال
قتادة : المراد به القرآن وأعطى هذه الأمة الحفظ ، ومن كان قبلها لا يقرؤون الكتاب
إلا نظرا ، فإذا طبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا اليسير .
( وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) الذين ظلموا أنفسهم بترك النظر فيها ، والعناد
لها بعد حصول العلم لهم بها . وقيل : يريد بالظالمين كفار قريش واليهود .
( وقالوا ) : يعني كفار مكة . ( لولا أنزل عليه آية من ربه ) أراد به الآيات التي
اقترحوها في قوله : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) الآيات .
وأن يجعل الصفا ذهبا . وقيل : إنهم سألوا آية كآية موسى عليه السلام من فلق البحر ،
وقلب العصا حية ، وجعلوا ما أتى به من المعجزات والآيات غير آية وحجة ، إلقاء
للشبهة بين العوام ، فقال الله تعالى : ( قل ) يا محمد لهم ( إنما الآيات عند الله )
ينزلها ويظهرها بحسب ما يعلم من مصالح عباده ، وينزل على كل نبي منها ما هو
أصلح له ولأمته ، ولذلك لم تتفق آيات الأنبياء كلها ، وإنما جاء كل نبي بفن منها .
تفسير مجمع البيان — صفحة 33
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٣