ثم بين سبحانه حال من أجابه ، وحال من خالفه فقال : ( الذين كفروا لهم
عذاب شديد ) جزاء على كفرهم ( والذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ) من
الله لذنوبهم ( وأجر كبير ) أي : ثواب عظيم . ثم قال سبحانه مقررا لهم : ( أفمن
زين له سوء عمله فرآه حسنا ) يعني الكفار زينت لهم نفوسهم أعمالهم السيئة ،
فتصوروها حسنة ، أو زينها الشيطان لهم بان أمالهم إلى الشبه المضلة ، وترك النظر
في الأدلة ، وأغواهم حتى تشاغلوا بما فيه عاجل اللذة ، وطرح الكلفة . وخبر قوله
( أفمن زين له سوء عمله ) محذوف أي : أهو كمن علم الحسن والقبيح ، وعمل بما
علم ، ولم يزين له سوء عمله . وقيل : تقديره كمن هداه الله . وقيل : كمن زين له
صالح عمله .
( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) مر بيانه . ( فلا تذهب نفسك عليهم
حسرات ) أي : لا تهلك نفسك يا محمد عليهم حسرة ، ولا يغمك حالهم إذ كفروا
واستحقوا العقاب ، وهو مثل قوله : ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين )
والحسرة : شدة الحزن على ما فات من الأمر . ( إن الله عليم بما يصنعون )
فيجازيهم عليه .
ثم عاد سبحانه إلى ذكر أدلة التوحيد ، فقال . ( والله الذي أرسل الرياح فتثير
سحابا ) أي . تهتجه وتزعجه من حيث هو ( فسقناه ) أي . فسقنا السحاب ( إلى بلد
ميت ) أي : قحط وجدب لم يمطر ، فيمطر على ذلك البلد . ( فأحيينا به ) أي :
بذلك المطر والماء ( الأرض بعد موتها ) بان أنبتنا فيها الزرع والكلأ بعد أن لم يكن
( كذلك النشور ) أي : كما فعل هذا بهذه الأرض الجدبة من إحيائها بالزرع
والنبات ، ينشر الخلائق بعد موتهم ، ويحشرهم للجزاء من الثواب والعقاب .
( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ) اختلف في معناه فقيل : المعنى من
كان يريد علم العزة ، وهي القدرة على القهر والغلبة ، لمن هي ، فإنها لله جميعا ،
عن الفراء . وقيل . معناه من أراد العزة فليتعزز بطاعة الله ، فإن الله تعالى يعزه ، عن
قتادة يعني : إن قوله ( فلله العزة جميعا ) معناه : الدعاء إلى طاعة من له العزة ، كما
يقال : من أراد المال فالمال لفلان أي : فليطلبه من عنده ، يدل على صحة هذا ما
رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( إن ربكم يقول كل يوم : أنا العزيز فمن أراد عز
الدارين فليطع العزيز ) .
تفسير مجمع البيان — صفحة 234
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٣٤