الدنيا ، ولا ذكر في واحد من الظرفين ، كما أنك إذا قلت : لقيت زيدا اليوم في
السوق ، كان كذلك . فإن جعلت الظرف الأول صفة للنكرة ، كان متعلقا بمحذوف ،
وصار فيه ذكر يعود إلى الموصوف . فإذا جعلته صفة للمصدر جاز أن يكون قوله ( في
الحياة الدنيا ) في موضع حال ، والعامل فيه الظرف الذي هو صفة للنكرة ، وفيه ذكر
يعود إلى ذي الحال . وذو الحال الضمير الذي في الظرف العائد إلى الموصوف الذي
هو ( مودة ) وهو هي في المعنى .
فإن قلت : هل يجوز أن يتعلق الظرف الذي قد جاز أن يكون حالا بالمودة ، مع
أنه قد وصف بقوله ( بينكم ) ؟ قيل : لا يمتنع ذلك ، لأنك إذا وصفته ، فمعنى الفعل
قائم فيه ، والظرف يتعلق بمعنى الفعل . وإنما الذي يمتنع أن يعمل فيه ، إذا وصف
المفعول به . فأما الحال والظرف فلا يمتنع أن يتعلق كل واحد منهما به ، وإن كان قد
وصف به . وقد جاء في الشعر ما يعمل عمل الفعل إذا وصف عاملا في المفعول به ،
وإذا جاز أن يعمل في المفعول به ، فلا نظر في جواز عمله فيما ذكرناه من الظرف
والحال ، فمن ذلك قوله :
إذا فاقد خطباء فرخين رجعت ، ذكرت سليمى في الخليط المباين
والتحقير في ذلك بمنزلة الوصف لو قال : هذا ضويرب زيدا ، لقبح كما يقبح
ذلك في الصفة ، ولم يجز ذلك في حال السعة والاختيار .
المعنى : ثم ذكر سبحانه الوعد والوعيد ، فقال : ( يعذب من يشاء ) معناه أنه
المالك للثواب والعقاب ، وإن كان لا يشاء إلا الحكمة والعدل ، وما هو الأحسن من
الأفعال فيعذب من يشاء ممن يستحق العقاب ( ويرحم من يشاء ) ممن هو مستحق
للرحمة ، بأن يغفر له بالتوبة وغير التوبة ( وإليه تقلبون ) معاشر الخلق أي : إليه
ترجعون يوم القيامة . والقلب هو الرجوع والرد ، فمعناه : إنكم تردون إلى حال الحياة
في الآخرة ، حيث لا يملك فيه النفع والضر إلا الله . وهذا يتعلق بما قبله ، كأن
المنكرين للبعث قالوا : إذا كان العذاب غير كائن في الدنيا ، فلا نبالي به . فقال :
هامش
( 1 ) البيت منسوب إلى بشر بن أبي حازم ، يقول : إذا رجعت الحمامة التي لونها الخطبة ، وهي لون
كدر مشرب حمرة في صفرة ، في غنائها وصوتها ، حزنا لفقد ولديها ، ذكرت ( سليمى )
( معشوقته ) في الأعداء . والشاهد في إعمال اسم الفاعل الموصوف - وهو فاقد - في فرخين .