( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) أي : بايعوا أن لا يفروا ،
فصدقوا في لقائهم العدو ( فمنهم من قضى نحبه ) أي : مات ، أو قتل في سبيل
الله ، فأدرك ما تمنى ، فذلك قضاء النحب . وقيل : قضى نحبه معناه فرغ من عمله ،
ورجع إلى ربه ، يعني من استشهد يوم أحد ، عن محمد بن إسحاق . وقيل : معناه
قضى أجله على الوفاء والصدق ، عن الحسن . وقال ابن قتيبة : أصل النحب النذر ،
وكان قوما نذروا إن يلقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا ، أو يفتح الله ، فقتلوا . فقيل :
فلان قضى نحبه : إذا قتل .
وروي عن أنس بن مالك أن عمه غاب عن قتال بدر ، فقال : غبت عن أول
قتال قاتله رسول الله مع المشركين ، لئن أراني الله قتالا للمشركين ليرين الله ما
أصنع . فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع
هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم ،
فلقيه سعد دون أحد فقال : أنا معك . قال سعد : فلم أستطع أن أصنع ما صنع ،
فوجد فيه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم . كنا نقول
فيه وفي أصحابه نزلت ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) رواه البخاري في
الصحيح عن محمد بن سعيد الخزامي ، عن عبد الأعلى ، عن حميد بن أنس .
وقال ابن إسحاق . فمنهم من قضى نحبه من استشهد يوم بدر وأحد ، ( ومنهم
من ينتظر ) ما وعد الله من نصرة أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه . ( وما بذلوا
تبديلا ) أي : ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم ، كما غير المنافقون . قال ابن
عباس : من قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب ، ومن قتل معه ، وأنس بن النضر
وأصحابه . وقال الكلبي : ما بدلوا العهد بالصبر ، ولا نكثوه بالفرار .
وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن عمرو بن ثابت ، عن أبي
إسحاق ، عن علي عليه السلام قال : فينا نزلت ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) فأنا
والله المنتظر ، وما بدلت تبديلا . ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) أي . صدق
المؤمنون في عهودهم ، ليجزيهم الله بصدقهم . ( ويعذب المنافقين ) بنقض العهد
( إن شاء أو يتوب عليهم ) إن تابوا . ويكون معناه : إنه سبحانه إن شاء قبل توبتهم ،
وأسقط عقابهم ، وإن شاء لم يقبل توبتهم ، وعذبهم . فإن اسقاط العذاب على
المذهب الصحيح بالتوبة تفضل من الله تعالى ، لا يجب عقلا . وإنما علمنا ذلك
تفسير مجمع البيان — صفحة 145
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٤٥