يكاشف فيها من كاشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويناضل عنه ، ويصحح نبوته . وقال بعض
الثقات : إن قصائده في هذا المعنى التي تنفث في عقد السحر ، وتغبر في وجه
شعراء الدهر ، يبلغ قدر مجلد وأكثر من هذا . ولا شك في أنه لم يختر تمام مجاهرة
الأعداء ، استصلاحا لهم ، وحسن تدبيره في دفع كيادهم ، لئلا يلجئوا الرسول إلى ما
ألجأوه إليه بعد موته .
المعنى : لما تقدم ذكر الرسول والقرآن ، وأنه أنزل هدى للخلق ، بين سبحانه
أنه ليس عليه الاهتداء ، وإنما عليه البلاغ ، والأداء ، فقال : ( إنك ) يا محمد ( لا
تهدي من أحببت ) هدايته . وقيل : من أحببته لقرابته ، والمراد بالهداية هنا : اللطف
الذي يختار عنده الإيمان ، فإنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، لأنه إما أن يكون من فعله
خاصة ، أو بإعلامه . ولا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى ، فإن الهداية
التي هي الدعوة والبيان ، قد أضافها سبحانه إليه في قوله : ( وإنك لتهدي إلى صراط
مستقيم ) . وقيل : إن المراد بالهداية في الآية : الإجبار على الاهتداء أي : أنت لا
تقدر على ذلك . وقيل : معناه ليس عليك اهتداؤهم ، وقبولهم الحق .
( ولكن الله يهدي من يشاء ) بلطفه . وقيل : على وجه الإجبار . ( وهو أعلم
بالمهتدين ) أي : القابلين للهدى ، فيدبر الأمور على ما يعلمه من صلاح العباد . ثم
قال سبحانه حاكيا عن الكفار : ( وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا )
أي : نستلب من أرضنا ، يعني أرض مكة والحرم . وقيل : إنما قاله الحرث بن
نوفل بن عبد ناف ، فإنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنا لنعلم أن قولك حق ، ولكن يمنعنا أن
نتبع الهدى معك ، ونؤمن بك ، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا ، ولا طاقة لنا
بالعرب ، فقال سبحانه رادا عليه هذا القول ( أو لم نمكن لهم حرما آمنا ) أي : أو لم
نجعل لهم مكة في أمن وأمان قبل هذا ، ودفعنا ضرر الناس عنهم ، حتى كانوا يأمنون
فيه ؟ فكيف يخافون زواله الآن ، أفلا نقدر على دفع ضرر الناس عنهم ، لو آمنوا .
بل حالة الإيمان والطاعة أولى بالأمن والسلامة من حالة الكفر . ( يجبى إليه ثمرات
كل شئ ) أي : تجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد ( رزقا من لدنا ) أي : إعطاء من
عندنا ، جاريا عليهم ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ما أنعمنا به عليهم . وقيل : لا
يعلمون الله ، ولا يعبدونه فيعلموا ما يفوتهم من الثواب .
( وكم أهلكنا من قرية ) أي : من أهل قرية . ( بطرت معيشتها ) أي : في
تفسير مجمع البيان — صفحة 449
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٤٩