أخاهم شعيبا ) . ( ألا تتقون إني لكم رسول أمين ) مفسر فيما قبل إلى قوله ( رب
العالمين ) . وإنما حكى الله سبحانه دعوة كل نبي بصيغة واحدة ، ولفظ واحد ،
إشعارا بأن الحق الذي تأتي به الرسل ، ويدعون إليه واحد ، من اتقاء الله تعالى ،
واجتناب معاصيه ، والإخلاص في عبادته ، وطاعة رسله . وإن أنبياء الله تعالى لا
يكونون إلا أمناء الله في عباده ، فإنه لا يجوز على واحد منهم أن يأخذ الأجرة على
رسالته ، لما في ذلك من التنفير عن قبولهم .
ثم قال : ( أوفوا الكيل ) أي : أعطوا الكيل وافيا غير ناقص ، ويدخل الوفاء
في الكيل والوزن والذرع والعدد . ( ولا تكونوا من المخسرين ) أي : من الناقصين
للكيل والوزن . ( وزنوا بالقسطاس المستقيم ) أي : بالعدل الذي لا حيف فيه ،
يعني زنوا وزنا يجمع الإيفاء والاستيفاء . وذكرنا الأقوال في القسطاس في سورة بني
إسرائيل . ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) أي : ولا تنقصوا الناس حقوقهم ، ولا
تمنعوها ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) أي : ولا تسعوا في الأرض بالفساد .
والعثي : أشد الفساد والخراب ، عن أبي عبيدة . ( واتقوا الذي خلقكم ) أي :
أوجدكم بعد العدم ( والجبلة ) أي : الخليقة ( الأولين ) يعني : وخلق الأمم
المتقدمين .
( قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا ) مر معناه ( وإن نظنك
لمن الكاذبين ) أي : وإنا نظنك كاذبا من جملة الكاذبين . وإن هذه مخففة من
الثقيلة ، ولذلك لزمها اللام في الخبر . ( فأسقط علينا كسفا من السماء ) أي : قطعا
من السماء جمع كسفة ، عن ابن عباس . ( إن كنت من الصادقين ) في دعواك
( قال ) شعيب ( ربي أعلم بما تعملون ) ومعناه : إنه إن كان في معلومه أنه إن بقاكم
تبتم ، أو تاب بعضكم ، لم يقتطعكم بالعذاب . وإن كان في معلومه أنه لا يفلح
واحد منكم ، فسيأتيكم عذاب الاستئصال .
ثم قال : ( فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة ) أصابهم حر شديد سبعة أيام ،
وحبس عنهم الريح ، ثم غشيتهم سحابة . فلما خرجوا إليها طلبا للبرد من شدة الحر
الذي أصابهم ، أمطرت عليهم نارا فأحرقتهم ، فكان من أعظم الأيام في الدنيا
عذابا . وذلك قوله ( إنه كان عذاب يوم عظيم ) ومعنى الظلة هاهنا السحابة التي قد
أظلتهم ( إن في ذلك لآية ) مفسر إلى آخره .
تفسير مجمع البيان — صفحة 350
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٥٠