بأن الرب من كان بهذه الصفة ، أو موقنين بأن هذه الأشياء محدثة ، وليست من
فعلكم . والمحدث لا بد له من محدث . لم يشتغل موسى لجواب ما سأله فرعون ،
لأن الله تعالى ليس بذي جنس ، بل اشتغل ببيان ربوبيته وصفاته ، وبيان الحجة الدالة
عليه من خلقه ، الذي يعجز المخلوقون عن مثله . ( قال ) فرعون ( لمن حوله ألا
تستمعون ) يريد : ألا تستمعون مقالة موسى ، عن ابن عباس . وقيل : معناه ألا
تصغون إليه ، وتفهمون ما يقوله ، معجبا من قوله : وإنما عجب فرعون من حوله من
جوابه ، لأنه طلب منه أي أجناس الأجسام هو ، جهلا منه بالتوحيد ، لأنه لو كان كأحد
أجناس الأجسام ، لكان محدثا كسائر الأجسام التي هي من جنسه ، لحلول الحوادث
فيه ودله موسى على الله بدلالة أفعاله التي بها يجب أن يستدل عليه تعالى ، فقال
فرعون : أنظروا إلى هذا أسأله عن شئ فيجيب عن غيره . فجرى موسى عليه السلام على
عادته في الرفق ، وتأكيد الحجة ، وتكريرها .
( قال ربكم ورب آبائكم الأولين ) وإنما ذكره تأييدا لما قبله ، وتوكيدا له . فإن
فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره ، دون من قبله . فبين أن المستحق
للربوبية من هو رب أهل كل عصر ، ومالك تدبيرهم ، فعند ذلك ( قال ) فرعون إذ لم
يقدر على جواب لكلام موسى عليه السلام ، يموه عليهم ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم
لمجنون ) لأني أسأله عن ماهية رب العالمين ، فيجيبني عن غير ذلك ، كما يفعل
المجنون . فعند ذلك لم يشتغل موسى عليه السلام بالجواب عما نسبه إليه من الجنون ،
ولكن اشتغل بتأكيد الحجة ، والزيادة في الإبانة ، بأن ( قال رب المشرق والمغرب
وما بينهما إن كنتم تعقلون ) ذلك وتتدبرونه . وقيل : إن كنتم تعلمون أنه إنما يستحق
العبادة من كان بهذه الصفة . فلما طال على فرعون الإحتجاج من موسى ( قال )
مهددا له ( لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) أي : من المحبوسين .
قالوا : وكان إذا سجن أحدا لم يخرجه حتى يموت . فلما توعده بالسجن ( قال أولو
جئتك بشئ مبين ) معناه : أتسجنني ولو جئتك بأمر ظاهر ، تعرف به صدقي ،
وكذبك ، وحجة ظاهرة تدل على نبوتي .
* ( قال فأت به إن كنت من الصادقين [ 31 ] فألقى عصاه فإذا هي ثعبان
مبين [ 32 ] ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين [ 33 ] قال للملأ حوله إن هذا لساحر
تفسير مجمع البيان — صفحة 326
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٢٦