من القوس ، ومنه الوتر وهو الفرد عن الجمع المتصل . قال الأصمعي : يقال :
واترت الخبر : أتبعت بعضه بعضا ، وبين الخبرين هنيهة . ( كلما جاء أمة رسولها
كذبوه ) ولم يقروا بنبوته ( فأتبعنا بعضهم بعضا ) يعني في الإهلاك أي : أهلكنا
بعضهم في أثر بعض ( وجعلناهم أحاديث ) أي : يتحدث بهم على طريق المثل في
الشر ، وهو جمع أحدوثة ، ولا يقال هذا في الخير . والمعنى : إنا صيرناهم بحيث لم
يبق بين الناس منهم إلا حديثهم ( فبعدا لقوم لا يؤمنون ) ظاهر المعنى .
( ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا ) أي : بدلائلنا الواضحة ( وسلطان
مبين ) أي : وبرهان ظاهر بين ( إلى فرعون وملئه ) خص الملأ وهم الأشراف
بالذكر ، لأن الآخرين كانوا أتباعا لهم ( فاستكبروا ) أي : تجبروا وتعظموا عن قبول
الحق ( وكانوا قوما عالين ) أي : متكبرين قاهرين ، قهروا أهل أرضهم ، واتخذوهم
خولا . ( فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ) أي : أنصدق لإنسانين خلقهم مثل خلقنا ،
ويسمى الانسان بشرا لانكشاف بشرته ، وهي جلدته الظاهرة حتى احتاج إلى لباس
يكنه ، وغيره من الحيوان مغطى البشرة بصوف ، أو ريش ، أو غيره ، لطفا من الله
سبحانه بخلقه ، إذ لم يكن هناك عقل يدبر أمره مع حاجته إلى ما يكنه . والإنسان
يهتدي إلى ما يستعين به في هذا الباب .
( وقومهما لنا عابدون ) أي : مطيعون طاعة العبد لمولاه . قال الحسن : كان
بنو إسرائيل يعبدون فرعون ، وفرعون يعبد الأوثان ( فكذبوهما فكانوا من المهلكين )
أي : فكذبوا موسى وهارون ، فكان عاقبة تكذيبهم أن أهلكهم الله ، وغرقهم .
( ولقد آتينا موسى الكتاب ) أي : التوراة ( لعلهم يهتدون ) أي : لكي يهتدوا إلى
طريق الحق والصواب ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) وهذا مثل قوله : ( وجعلناها
وابنها آية للعالمين ) أي : حجة على قدرتنا على الاختراع . وآية عيسى أنه خلق من
غير ذكر . وآية مريم أنها حملت من غير فحل . ( وآويناهما إلى ربوة ) أي : جعلنا
مأواهما مكانا مرتفعا مستويا واسعا . يقال : أوى إليه يأوي أويا ، وأواه غيره يؤويه إيواء
أي : جعله مأوى له . والربوة التي أويا إليها هي الرملة من فلسطين ، عن أبي
هريرة . وقيل : دمشق ، عن سعيد بن المسيب . وقيل : مصر عن ابن زيد . وقيل :
بيت المقدس ، عن قتادة ، وكعب . قال كعب : وهي أقرب الأرض إلى السماء .
وقيل : هي حيرة الكوفة وسوادها . والقرار : مسجد الكوفة . والمعين : الفرات ، عن
تفسير مجمع البيان — صفحة 192
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٩٢