( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ) أي مطرا ( فتصبح الأرض مخضرة )
بالنبات ( إن الله لطيف ) بإرزاق عباده من حيث لا يحتسبون ( خبير ) بما في قلوبهم .
وقيل : اللطيف المحيط بتدبير دقائق الأمور ، الذي لا يتعذر عليه شئ يتعذر على
غيره . ( له ما في السماوات وما في الأرض ) أي : له التصرف في جميع ذلك ( وإن
الله لهو الغني الحميد ) الغني الحي الذي ليس بمحتاج . الحميد : المحمود بصفاته
وأفعاله ( ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ) من الحيوان والجماد ( والفلك
تجري في البحر بأمر ه ) أي : وسخر لكم الفلك في حال جريها ( ويمسك السماء أن
تقع على الأرض إلا بإذنه ) أي : يمنع السماء من وقعها على الأرض إلا بإرادته .
والمعنى : إلا إذا أذن الله في ذلك بأن يريد إبطالها وإعدامها ( إن الله بالناس لرؤوف
رحيم ) برأفته ورحمته بهم فعل هذا التسخير ، وأمسك السماء من الوقوع .
( وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسان
لكفور [ 66 ] لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في
الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم [ 67 ] وإن جادلوك فقل الله أعلم
بما تعملون [ 68 ] الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون [ 69 ]
ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على
الله يسير [ 70 ] ) .
المعنى : ثم ذكر سبحانه دلالة أخرى على وحدانيته فقال : ( وهو الذي
أحياكم ) بعد أن كنتم نطفا ميتة ( ثم يميتكم ) عند انتهاء آجالكم ( ثم يحييكم )
للبعث والحساب . وفيه بيان أن من قدر على ابتداء الإحياء قدر على إعادة الإحياء
( إن الانسان لكفور ) أي جحود ، فإنه مع هذه الأدلة الدالة على الخلق ، يجحد
الخالق ( لكل أمة ) أي : لكل قرن مضى ( جعلنا منسكا هم ناسكوه ) أي : شريعة
هم عاملون بها ، عن ابن عباس . وقيل : مكانا يألفونه ، وموضعا يعتادونه لعبادة الله .
ومناسك الحج من هذا لأنها مواضع العبادات فيه ، فهي متعبدات الحج . وقيل :
موضع قربان أي : متعبد في إراقة الدماء منى أو غيره ، عن مجاهد وقتادة .
تفسير مجمع البيان — صفحة 168
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٦٨