أصحاب الحديث ، وقد تضمنت ما ينزه الرسل عليهم السلام عنه . وكيف يجوز ذلك على
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قال الله سبحانه : ( كذلك لنثبت به فؤادك ) ، وقال : ( سنقرؤك
فلا تنسى ) . وإن حمل ذلك على السهو ، فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه
الألفاظ المطابقة لوزن السورة ونظمها ، ثم لمعنى ما تقدمها من الكلام ، لأنا نعلم
ضرورة أن الساهي لو أنشأ قصيدة ، لم يجز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في
وزنها ، وفي معنى البيت الذي تقدمه ، وعلى الوجه الذي تقتضيه فائدته .
ويمكن أن يكون الوجه فيه ما ذكرناه في النزول ، لأن من المعلوم أنهم كانوا
يلقون عند قراءته طلبا لتغليطه ، ويمكن أن يكون كان هذا في الصلاة ، لأنهم كانوا
يلقون في قراءته . وقيل أيضا : إنه كان إذا تلا القرآن على قريش ، توقف في فصول
الآيات ، وأتى بكلام على سبيل الحجاج لهم . فلما تلا الآيات قال : ( تلك الغرانيق
العلى ) على سبيل الانكار عليهم ، وعلى أن الأمر بخلاف ما قالوه وظنوه . وليس
يمتنع أن يكون هذا في الصلاة ، لأن الكلام في الصلاة حينئذ كان مباحا ، وإنما نسخ
من بعد . وقيل : إن المراد بالغرانيق . الملائكة ، وقد جاء ذلك في بعض الحديث ،
فتوهم المشركون أنه يريد آلهتهم . وقيل : إن ذلك كان قرآنا منزلا في وصف
الملائكة ، فلما ظن المشركون أن المراد به آلهتهم ، نسخت تلاوته .
وقال البلخي : ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع هاتين الكلمتين من قومه
وحفظهما ، فلما قرأ ، ألقاها الشيطان في ذكره ، فكاد أن يجريها على لسانه فعصمه
الله ونبهه ، ونسخ وسواس الشيطان ، وأحكم آياته ، بأن قرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم محكمة ،
سليمة مما أراد الشيطان . ويجوز أن يكون النبي صلى اله عليه وآله وسلم لما انتهى إلى ذكر اللات
والعزى ، قال الشيطان هاتين الكلمتين رافعا بهما صوته ، فألقاهما في تلاوته في غمار
الناس ، فظن الجهال أن ذلك من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فسجدوا عند ذلك .
والغرانيق : جمع غرنوق وهو الحسن الجميل ، يقال : شاب غرنوق وغرانق : إذا كان
ممتليا ريا ( ثم يحكم الله آياته ) أي : يبقي آياته ، ودلائله وأوامره محكمة لا سهو
فيها ، ولا غلط .
( والله عليم ) بكل شئ ( حكيم ) واضع للأشياء مواضعها . ( ليجعل ما يلقي
الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ) أي : ليجعل ذلك تشديدا في
التعبد وامتحانا ، عن الجبائي . والمعنى : إنه شدد المحنة والتكليف على الذين في
تفسير مجمع البيان — صفحة 164
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٦٤