ثم قال ( كل من الصابرين ) صبروا على بلاء الله ، والعمل بطاعته . فأما
إسماعيل فإنه صبر ببلد لا زرع به ولا ضرع ، وقام ببناء الكعبة . وأما إدريس فإنه صبر
على الدعاء إلى الله ، وكان أول من بعث إلى قومه ، فدعاهم إلى الدين فأبوا ،
فأهلكهم الله تعالى ، ورفعه إلى السماء السادسة . وأما ذو الكفل ، فاختلف فيه
فقيل : إنه كان رجلا صالحا ، ولم يكن نبيا ، " ولكنه تكفل لنبي بصوم النهار ، وقيام
الليل ، وأن لا يغضب ، ويعمل بالحق ، فوفى بذلك ، فشكر الله ذلك له ، عن أبي
موسى الأشعري وقتادة ومجاهد . وقيل : هو نبي اسمه ذو الكفل ، عن الحسن قال :
ولم يقص الله خبره مفصلا . وقيل : هو الياس ، عن ابن عباس . وقيل : كان نبيا ،
وسمي ذا الكفل بمعنى أنه ذو الضعف ، فله ضعف ثواب غيره ممن هو في زمانه ،
لشرف عمله ، عن الجبائي . وقيل : هو اليسع بن خطوب الذي كان مع إلياس ،
وليس اليسع الذي ذكره الله في القرآن . تكفل لملك جبار ، إن هو تاب دخل الجنة ،
ودفع إليه كتابا " بذلك ، فتاب الملك ، وكان اسمه كنعان ، فسمي ذا الكفل . والكفل
في اللغة هو الخط .
وفي كتاب النبوة بالإسناد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال : كتبت إلى
أبي جعفر عليه السلام أسأله عن ذي الكفل ، وما اسمه ، وهل كان من المرسلين ؟
فكتب عليه السلام : إن الله بعث مائة ألف نبي ، وأربعة وعشرين ألف نبي ، المرسلين منهم
ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، وإن ذا الكفل منهم ، وكان بعد سليمان بن داود ، وكان
يقضي بين الناس ، كما يقضي داود عليه السلام ، ولم يغضب قط إلا لله تعالى ، وكان اسمه
عدويا بن أدارين . ( وأدخلناهم في رحمتنا ) أي : وأدخلنا هؤلاء الذين ذكرناهم من
الأنبياء في نعمتنا ، وأراد : غمرناهم بالرحمة . ولو قال رحمناهم لما أفاد ذلك ، بل
أفاد أنه فعل بهم الرحمة . ( إنهم من الصالحين ) أي : إنما أدخلناهم في رحمتنا ،
لأنهم كانوا ممن صلحت أعمالهم .
( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في
الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [ 87 ]
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين [ 88 ] وزكريا
تفسير مجمع البيان — صفحة 107
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٠٧