ويقوي ما ذكرناه قوله تعالى ( ففهمناها سليمان ) أي : علمناه الحكومة في
ذلك . وقيل : إن سليمان قضى بذلك ، وهو ابن إحدى عشرة سنة . وروي عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قضى بحفظ المواشي على أربابها ليلا ، وقضى بحفظ الحرث على
أربابه نهارا . ( وكلا آتينا حكما وعلما ) أي : وكل واحد من داود وسليمان ، أعطيناه
حكمة . وقيل : معناه النبوة ، وعلم الدين ، والشرع . ( وسخرنا مع داود الجبال
يسبحن والطير ) قيل : معناه سيرنا الجبال مع داود حيث سار ، فعبر عن ذلك بالتسبيح
لما فيه من الآية العظيمة التي تدعو إلى تسبيح الله ، وتعظيمه ، وتنزيهه عن كل ما لا
يليق به . وكذلك تسخير الطير له تسبيح . يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه
ما يجوز على العباد ، عن الجبائي ، وعلي بن عيسى . وقيل : إن الجبال كانت
تجاوبه بالتسبيح ، وكذلك الطير يسبح معه بالغداة والعشي ، معجزة له ، عن وهب .
( وكنا فاعلين ) أي : قادرين على فعل هذه الأشياء ففعلناها دلالة على نبوته
( وعلمناه صنعة لبوس لكم ) أي : علمناه كيف يصنع الدرع . قال قتادة : أول من
صنع الدرع داود عليه السلام ، وإنما كانت صفائح جعل الله سبحانه الحديد في يده
كالعجين ، فهو أول من سردها وحلقها ، فجمعت الخفة والتحصين ، وهو قوله :
( لتحصنكم من بأسكم ) أي : ليحرزكم ويمنعكم من وقع السلاح فيكم ، عن
السدي . وقيل : معناه من حربكم أي : في حالة الحرب والقتال ، فإن البأس في
اللغة هو شدة القتال . ( فهل أنتم شاكرون ) لنعم الله تعالى عليكم وعلى أنبيائه
قبلكم . وهذا تقرير للخلق على شكره ، فإن إنعامه على الأنبياء ، إنعام على الخلق .
وقيل : إن سبب إلانة الحديد لداود عليه السلام أنه كان نبيا ملكا ، وكان يطوف في
ولايته متنكرا ، يتعرف أحوال عماله ومتصرفيه ، فاستقبله جبرائيل ذات يوم على صورة
آدمي ، فسلم عليه ، فرد عليه السلام ، وقال : ما سيرة داود ؟ فقال : نعمت السيرة
لولا خصلة فيه ! قال : وما هي ؟ قال : إنه يأكل من بيت مال المسلمين . فتنكره
وأثنى عليه وقال : لقد أقسم داود أنه لا يأكل من بيت مال المسلمين . فعلم الله
سبحانه صدقه ، فألان له الحديد ، كما قال : ( وألنا له الحديد ) . وروي أن لقمان
الحكيم حضره ، فرآه يفعل ذلك ، فصبر ولم يسأله حتى فرغ من ذلك ، فقام ولبس
وقال : نعمت الجنة للحرب . فقال لقمان : الصمت حكمة ، وقليل فاعله .
تفسير مجمع البيان — صفحة 104
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٠٤