تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
فإذا طهرت عادت إلى بيتها في المسجد . فبينا هي في مشرقة لها في ناحية الدار ، وقد ضربت بينها وبين أهلها سترا لتغتسل وتمتشط ، إذ دخل عليها جبرائيل في صورة رجل شاب أمرد ، سوي الخلق ، فأنكرته فاستعاذت بالله منه * ( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) * معناه : إني أعتصم بالرحمن من شرك ، فأخرج من عندي إن كنت تقيا ( سؤال ) : يقال كيف شرطت في التعوذ منه أن يكون تقيا ، والتقي لا يحتاج أن يتعوذ منه ، وإنما يتعوذ من غير التقي ؟ ( والجواب ) : إن التقي إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط الله ، ففي ذلك تخويف وترهيب له ، وهذا كما تقول : إن كنت مؤمنا فلا تظلمني . فالمعنى : إن كنت تقيا فاتعظ واخرج . وروي عن علي عليه السلام أنه قال : علمت أن التقي ينهاه التقى عن المعصية . وقيل : إن معنى قوله * ( إن كنت تقيا ) * ما كنت تقيا حيث استحللت النظر إلي ، وخلوت بي . فلما سمع جبرائيل عليه السلام منها هذا القول * ( قال ) * لها * ( إنما أنا رسول ربك لأهب لك ) * وقد بينا معنى القراءتين * ( غلاما زكيا ) * أي : ولدا طاهرا من الأدناس . وقيل : ناميا في أفعال الخير . وقيل : يريد نبيا ، عن ابن عباس * ( قالت ) * مريم * ( أنى يكون لي غلام ) * أي : كيف يكون لي ولد * ( ولم يمسسني بشر ) * على وجه الزوجية * ( ولم أك بغيا ) * أي : ولم أكن زانية ، وإنما قالت ذلك لأن الولد في العادة يكون من إحدى هاتين الجهتين ، والمعنى : إني لست بذات زوج ، وغير ذات الزوج لا تلد إلا عن فجور ، ولست فاجرة ، وإنما يقال للفاجرة بغي بمعنى أنها تبغي الزنا أي : تطلبه . وفي هذه الآيات دلالة على جواز إظهار المعجزات لغير الأنبياء ، لأن من المعلوم أن مريم ليست بنبية ، وإن رؤية الملك على صورة البشر ، وبشارة الملك إياها ، وولادتها من غير وطئ إلى غيرها من الآيات التي أتاها الله بها ، من أكبر المعجزات . ومن لم يجوز إظهار المعجزات على غير النبي ، اختلفت أقوالهم في ذلك ، قال الجبائي ، وابنه : إنها معجزات لزكريا عليه السلام . وقال البلخي : إنها معجزات لعيسى على سبيل الإرهاص والتأسيس لنبوته . * ( قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( 21 ) ، فحملته فانتبذت به ، مكانا قصيا ( 22 )
تفسير مجمع البيان — صفحة 411 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين