بها * ( اجتباه ) * الله أي : اختاره الله ، واصطفاه * ( وهداه إلى صراط مستقيم ) * أي : دله
إلى الدين المستقيم وهو الاسلام والتوحيد .
* ( وآتيناه ) * أي : أعطيناه * ( في الدنيا حسنة ) * أي : نعمة سابغة في نفسه ، وفي
أولاده ، وهو قول هذه الأمة : كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم . وقيل : هي
النبوة والرسالة ، عن الحسن ، وقيل هي أنه ليس أهل دين إلا وهو يرضاه ويتولاه ،
عن قتادة . وقيل : هي تنويه الله بذكره بطاعته لربه ، ومسارعته إلى مرضاته ، حتى
صار إماما يقتدى به ، ويهتدى بهداه ، وقيل : هي إجابة الله دعوته حتى أكرم بالنبوة
ذريته * ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) * ولم يقل لفي أعلى منازل الصالحين ، مع
اقتضاء حاله ذلك ، ترغيبا في الصلاح ، فإنه عز اسمه بين أنه عليه السلام من جملة
الصالحين ، مع علو رتبته ، وشرف منزلته تشريفا لهم ، وتنويها بذكر من هو منهم ،
وناهيك بهذا الترغيب في الصلاح ، وبهذا المدح لإبراهيم عليه السلام أن يشرف جملة هو
منها حتى يصير الاستدعاء إليها بأنه فيها .
* ( ثم أوحينا إليك ) * يا محمد * ( أن اتبع ملة إبراهيم ) * أي أمرناك باتباع ملة
إبراهيم * ( حنيفا ) * أي : مستقيم الطريقة في الدعاء إلى توحيد الله ، وخلع الأنداد له ،
وفي العمل بسنته * ( وما كان ) * إبراهيم * ( من المشركين ) * ومتى قيل : إن نبينا كان
أفضل منه فكيف أمر الفاضل باتباع المفضول ؟ فجوابه : إن إبراهيم عليه السلام سبق إلى
اتباع الحق ، ولا يكون في سبق المفضول إلى متابعة الحق زراية على الفاضل في
اتباعه * ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) * معناه : إنما جعل السبت لعنة
ومسخا على الذين اختلفوا فيه وحرموه ، ثم استحلوه ، فلعنهم الله ومسخهم ، عن
الحسن ويجوز أن يكون اختلافهم فيه أنهم نهوا عن الصيد فيه فنصبوا الشباك يوم
الجمعة ، ودخل فيه السمك يوم السبت ، وأخذوه يوم الأحد . وقيل : معناه إنما
فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا في أمر الجمعة ، وهم اليهود ، وكانوا قد
أمروا بتعظيم الجمعة ، فعدلوا عما أمروا به ، عن مجاهد ، وابن زيد . وقيل : إن
الذين اختلفوا فيه هم اليهود والنصارى ، قال بعضهم : السبت أعظم الأيام ، لأن الله
سبحانه فرغ فيه من خلق الأشياء . وقال الآخرون : بل الأحد أعظم لأنه ابتدأ بخلق
الأشياء فيه ، فهذا اختلافهم * ( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه
يختلفون ) * من أمور دينهم ، ويفصل بين المحق والمبطل منهم .
تفسير مجمع البيان — صفحة 209
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٠٩