يهلكهم بظلمهم لأنفسهم ، كما قال : ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ) الآية . وثانيها :
إن معناه لا يؤاخذهم بظلم واحدهم ، مع أن أكثرهم مصلحون ، ولكن إذا عم
الفساد ، وظلم الأكثرون ، عذبهم . وثالثها : انه لا يهلكهم بشركهم وظلمهم
لأنفسهم ، وهم يتعاطون الحق بينهم أي : ليس من سبيل الكفار إذا قصدوا الحق في
المعاملة أن يهلكهم الله بالعذاب ، عن ابن عباس في رواية عطا . و ( الواو ) في قوله
( وأهلها ) : واو الحال . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : وأهلها مصلحون ينصف
بعضها بعضهم .
النظم : وجه اتصال قوله تعالى ( فلولا كان من القرون من قبلكم ) الآية . بما
قبلها : إنه تعالى لما ذكر إهلاك الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، عقب ذلك بأنهم
أتوا في إهلاكهم من قبل نفوسهم ، ولو كان فيهم مؤمنون يأمرون بالصلاح ، وينهون
عن الفساد ، لما استأصلناهم رحمة منا ، ولكنهم لما عمهم الكفر ، استحقوا عذاب
الاستئصال .
( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ( 118 ) إلا من
رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس
أجمعين ( 119 ) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه
الحق وموعظة وذكرا للمؤمنين ( 120 ) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا
عاملون ( 121 ) وانتظروا إنا منتظرون ( 122 ) ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع
الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ( 123 ) .
القراءة : قرأ ( يرجع الأمر ) بضم الياء وفتح الجيم وكسرها نافع وحفص
والباقون ( يرجع ) بفتح الياء . وقرأ ( عما تعملون ) بالتاء هنا ، وفي آخر النمل أهل
المدينة ، والشام ، ويعقوب ، وحفص . والباقون بالياء .
الحجة : من ضم الياء من يرجع فلقوله ( ثم ردوا ) إلى الله مولاهم الحق ،
والمعنى رد أمرهم إلى الله . ومن فتح الياء فلقوله و ( والأمر يومئذ لله ) والمعنيان
متقاربان . ومن قرأ بالتاء في ( تعملون ) جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمته ، وهو
تفسير مجمع البيان — صفحة 348
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٤٨