تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
كيف استدل بها ، وكيف عرف الحق من جهتها فقال : ( فلما جن عليه الليل ) أي : أظلم عليه ، وستر بظلامه كل ضياء ( رأى كوكبا ) واختلف في الكوكب الذي رآه ، فقيل ! : هو الزهرة . وقيل : هو المشتري ( قال هذا ربي فلما أفل ) أي : غرب ( قال لا أحب الآفلين ) واختلف في تفسير هذه الآيات على أقوال أحدها : إن إبراهيم عليه السلام إنما قال ذلك ، عند كمال عقله في زمان مهلة النظر ، وخطور الخاطر الموجب عليه النظر بقلبه ، لأنه عليه السلام لما أكمل الله عقله ، وحرك دواعيه على الفكر والتأمل ، رأى الكوكب فأعظمه وأعجبه نوره وحسنه ، وقد كان قومه يعبدون الكواكب ، فقال : هذا ربي ، على سبيل الفكر ، فلما أفل ، علم أن الأفول لا يجوز على الإله ، فاستدل بذلك على أنه محدث مخلوق ، وكذلك كانت حاله في رؤية القمر والشمس ، فإنه لما رأى أفولهما ، قطع على حدوثهما واستحالة إلهيتهما ، وقال في آخر كلامه ( يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) إلى آخره . وكان هذا القول منه عقيب معرفته بالله تعالى ، وعلمه بأن صفات المحدثين لا تجوز عليه ، وهذا اختيار أبي القاسم البلخي ، وغيره ، قال : وزمان مهلة النظر هي أكثر من ساعة ، وأقل من شهر ، ولا يعلم ما بينهما إلا الله تعالى . وثانيها : إنه إنما قال ذلك قبل بلوغه ، ولما قارب كمال العقل ، حركته الخواطر فيما شاهده من هذه الحوادث ، فلما رأى الكوكب ، ونوره ، وإشراقه ، وزهوره ، ظن أنه ربه ، فلما أفل وانتقل من حال إلى حال ، قال : لا أحب الآفلين . ( فلما رأى القمر بازغا ) عند طلوعه ، ورأى كبره ، وإشراقه ، وانبساط نوره ، وضياءه في الدنيا ( قال هذا ربي فلما أفل ) ، وصار مثل الكوكب في الأفول والغيبوبة ، وعلم أنه لا يجوز أن يكون ذلك صفة الإله ، ( قال لئن لم يهدني ربي ) إلى رشدي ، ولم يوفقني ، ويلطف بي في إصابة الحق من توحيده ، ( لأكونن من القوم الضالين ) بعبادة هذه الحوادث . ( فلما رأى الشمس بازغة ) أي : طالعة ، وقد ملأت الدنيا نورا ، ورأى عظمها وكبرها ، ( قال هذا ربي هذا أكبر ) من الكوكب والقمر ( فلما أفلت قال ) حينئذ لقومه ( يا قوم إني برئ مما تشركون ) مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم ، فلما أكمل الله عقله ، وضبط بفكره النظر في حدوث الأجسام ، بأن وجدها غير منفكة من المعاني المحدثة ، وأنه لا بد لها من محدث قال حينئذ لقومه ( إني