تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
يا ظالمي أنى تروم ظلامتي ، والله من كل الحوادث جاري فلما رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء ، وعلم أنه لا طاقة لهم بهم ، نكص على عقبيه عن ابن عباس ، والسدي ، والكلبي ، وغيرهم . وقيل : إنه لما التقوا كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام ، فنكص عل عقبيه ، فقال له الحارث : يا سراقة أين أتخذلنا على هذه الحالة ؟ فقال له : إني أرى ما لا ترون . فقال : والله ما نرى إلا جعاسيس يثرب ! فدفع في صدر الحرث ، وانطلق وانهزم الناس . فلما قدموا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم ! فقالوا : إنك أتيتنا يوم كذا ؟ فحلف لهم . فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان عن الكلبي ، وروي عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله عليهما السلام . وقيل : إن إبليس لا يجوز أن يقدر على خلع صورته ، ولبس صورة سراقة ، ولكن الله تعالى جعل إبليس في صورة سراقة ، علما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما فعل ذلك لأنه علم أنه لو لم يدع المشركين انسان إلى قتال المسلمين ، فإنهم لا يخرجون عن ديارهم حتى يقاتلهم المسلمون ، لخوفهم من بني كنانة ، فصوره بصورة سراقة ، حتى تم المراد في إعزاز الدين ، عن الجبائي ، وجماعة . وقيل : إن إبليس لم يتصور في صورة الانسان ، وإنما قال ذلك لهم على وجه الوسوسة عن الحسن ، واختاره البلخي . والأول هو المشهور في التفاسير . ورأيت في كلام الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن النعمان ( رض ) : إنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجن ومن جرى مجراهم على أن يجتمعوا ويعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض ، حتى يتمكن الناس من رؤيتهم ، ويتشبهوا بغيرهم من أنواع الحيوان لأن أجسامهم من الرقة على ما يمكن ذلك فيها ، وقد وجدنا الانسان يجمع الهوا ويفرقه ويغير صور الأجسام الرخوة ، ضروبا من التغيير ، وأعيانها لم تزد ولم تنقص ، وقد استفاض الخبر بأن إبليس تراءى لأهل دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد ، وحضر يوم بدر في صورة سراقة وأن جبرائيل عليه السلام ظهر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صورة دحية الكلبي ، قال : غير محال أيضا أن يغير الله تعالى صورهم ، ويكشفها في بعض الأحوال ، فيراهم الناس لضرب من الامتحان .