تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وتحذيره ، وتحذير الرجل عنه ، وإنذاره به ، وحثه على الاستعداد له . ومعنى الآية : إن الله يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته ، فيشهد لهم وعليهم ، ويستشهد نبينا على أمته ، وفي الآية مبالغة في الحث على الطاعة ، واجتناب المعصية ، والزجر عن كل ما يستحى منه على رؤوس الاشهاد ، لأنه يشهد للانسان ، وعليه يوم القيامة شهود عدول ، لا يتوقف في الحكم بشهادتهم ، ولا يتوقع القدح فيهم ، وهم الأنبياء والمعصومون ، والكرام الكاتبون ، والجوارح ، والمكان ، والزمان ، كما قال تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) وقال : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ، وقال : ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) ، و ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) . وفي بعض الأخبار : المكان والزمان يشهدان على الرجل بأعماله ، فليتذكر العاقل هذه الشهادة ، ليستعد بهذه الحالة ، فكأن قد وقعت ، وكأن الشهادة قد أقيمت . وروي أن عبد الله بن مسعود قرأ هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ففاضت عيناه ، فإذا كان الشاهد يفيض عيناه ، لهول هذه المقالة ، وعظم هذه الحالة ، فماذا لعمري ينبغي أن يصنع المشهود عليه ؟ ( يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ) معناه : لو تجعلون والأرض سواء كما قال تعالى : ( ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) ، ومن التسوية قوله : ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) : أي نجعلها صفيحة واحدة ، لا يفصل بعضها عن بعض ، فيكون كالكف ، فيعجز لذلك عما يستعان عليه من الاعمال بالبنان . وروي عن ابن عباس ان معناه يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع ، يطؤونهم بأقدامهم ، كما يطأون الأرض . وعلى القول الأول : فالمراد به أن الكفار يوم القيامة يودون أنهم لم يبعثوا ، وأنهم كانوا والأرض سواء ، لعلمهم بما يصيرون إليه من العذاب ، والخلود في النار . وروي أيضا أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا ، فيتمنى عند ذلك الكفار أنهم صاروا كذلك ترابا . وهذا لا يجيزه إلا من قال : إن العوض منقطع ، وهو الصحيح . ومن قال : إن العوض دائم لم يصحح هذا الخبر . وقوله ( ولا يكتمون الله حديثا ) قيل فيه أقوال أحدها : إنه عطف على قوله ( لو تسوى ) أي ويودون أن لو لم يكتموا الله حديثا ، لأنهم إذا سئلوا قالوا : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) فتشهد عليهم جوارحهم ،