تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
في الديارات والصوامع ، فأنزل الله الآية . وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : نزلت في علي ، وبلال ، وعثمان بن مظعون . فأما علي عليه السلام فإنه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلا ما شاء الله ، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا ، وأما عثمان بن مظعون ، فإنه حلف أن لا ينكح أبدا . المعنى : لما تقدم ذكر الرهبان ، وكانوا قد حرموا على أنفسهم الطيبات ، نهى الله المؤمنين عن ذلك ، فقال ( يا أيها الذين آمنوا ) أي : يا أيها المؤمنون ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) وهو يحتمل وجوها ، منها : أن يريد لا تعتقدوا تحريمها . ومنها : أن يريد لا تظهروا تحريمها . ومنها : أن يريد لا تحرموها على غيركم بالفتوى والحكم . ومنها . أن يريد لا تجروها مجرى المحرمات في شدة الاجتناب . ومنها : أن يريد لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين . فوجب حمل الآية على جميع هذه الوجوه . والطيبات : اللذيذات التي تشتهيها النفوس ، وتميل إليها القلوب ، وقد يقال الطيب : بمعنى الحلال ، كما يقال يطيب له كذا : أي يحل له . ولا يليق ذلك بهذا الموضع . ( ولا تعتدوا ) أي : لا تتعدوا حدود الله وأحكامه . وقيل : معناه لا تجبوا أنفسكم فسمي الخصاء اعتداء ، عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والأول أعم فائدة ( إن الله لا يحب المعتدين ) معناه يبغضهم ، ويريد الانتقام منهم ( وكلوا مما رزقكم الله ) لفظه أمر ، والمراد به الإباحة ( حلالا طيبا ) أي : مباحا لذيذا ويسأل هنا فيقال : إذا كان الرزق كله حلالا ، فلم قيد ههنا فقال حلالا ؟ والجواب : إنه إنما ذكر حلالا على وجه التأكيد ، كما قال ( وكلم الله موسى تكليما ) وقد أطلق الله تعالى في موضع آخر على وجه المدح ، وهو قوله ( ومما رزقناهم ينفقون ) وقال ابن عباس : يريد من طيبات الرزق : اللحم وغيره ( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه ، وتقديره : أيها المؤمنون بالله ، لا تضيعوا إيمانكم بالتقصير في التقوى ، فيكون عليكم الحسرة العظمى ، واتقوا في تحريم ما أحل الله لكم ، وفي جميع معاصيه من به تؤمنون ، وهو الله تعالى . وفي هاتين الآيتين ، دلالة على كراهة التخلي ، والتفرد ، والتوحش ، والخروج عما عليه الجمهور في التناسل ، وطلب الولد ، وعمارة الأرض . وقد روي أن
تفسير مجمع البيان — صفحة 405 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين