تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
والرابع : تناقضا كثيرا ، عن ابن عباس . وذلك أن كلام البشر إذا طال ، وتضمن من المعاني ما تضمنه القرآن ، لم يخل من التناقض في المعاني والاختلاف في اللفظ ، وكل هذه المعاني منفي عن كلام الله كما قال : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) وهذه الآية تضمنت الدلالة على معان كثيرة . منها : بطلان التقليد ، وصحة الاستدلال في أصول الدين ، لأنه دعا إلى التفكر والتدبر ، وحث على ذلك . ومنها : فساد قول من زعم أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول من الحشوية ، وغيرهم ، لأنه حث على تدبره ليعرفوه ويتبينوه ومنها : إنه لو كان من عند غيره لكان على وزان كلام عباده ، ولوجدوا الاختلاف فيه . ومنها : إن المتناقض من الكلام ، لا يكون من فعل الله ، لأنه لو كان من فعله ، لكان من عنده ، لا من عند غيره ، والاختلاف في الكلام ، يكون على ثلاثة أضرب : اختلاف تناقض ، واختلاف تفاوت ، واختلاف تلاوة : واختلاف التفاوت يكون في الحسن والقبح ، والخطأ والصواب ، ونحو ذلك ، مما تدعو إليه الحكمة ، وتصرف عنه ، وهذا الجنس من الاختلاف لا يوجد في القرآن البتة ، كما لا يوجد اختلاف التناقض . وأما اختلاف التلاوة : فهو ما يتلاوم في الجنس ، كاختلاف وجوه القرآن ، واختلاف مقادير الآيات والسور ، واختلاف الاحكام في الناسخ والمنسوخ ، فذلك موجود في القرآن ، وكله حق ، وكله صواب ، واستدل بعضهم بانتفاء التناقض عن القرآن على أنه من فعل الله ، بأن قال : لو لم يكن ذلك دلالة لما أخبرنا الله به ، ولو لم يخبر بذلك ، لكان لقائل أن يقول إنه يمكن أن يتحفظ في الكلام ، ويهذب تهذيبا لا يوجد لذلك فيه شئ من التناقض . وعلى هذا فلا يمكن أن يجعل انتفاء التناقض جهة إعجاز القرآن إلا بعد معرفة صحة السمع ، وصدق النبي . ثم عاد تعالى إلى ذكر حالتهم فقال : ( وإذا جاءهم ) يعني هؤلاء الذين سبق ذكرهم من المنافقين . وقيل : هم الذين ذكرهم من ضعفة المسلمين ( أمر من الأمن أو الخوف ) يريد ما كان يرجف به من الاخبار في المدينة : إما من قبل عدو يقصدهم ، وهو الخوف ، أو من ظهور المؤمنين على عدوهم ، وهو الأمن ( أذاعوا به ) : أي تحدثوا به ، وأفشوه من غير أن يعلموا صحته . كره الله ذلك ، لان من فعل هذا ، فلا يخلو كلامه من كذب ، ولما يدخل على المؤمنين به من الخوف ثم قال