( على ما أنتم عليه ) يا أهل الكفر من الإبهام ، واشتباه المخلص بالمنافق أي : لم
يكن يجوز في حكم الله أن يذرهم على ما كنتم عليه قبل مبعث النبي ، بل يتعبدكم
( حتى يميز الخبيث من الطيب ) أي : الكافر من المؤمن ، عن قتادة والسدي .
وقيل : حتى يميز المنافق من المخلص يوم أحد ، على ما مضى شرحه ، عن مجاهد
وابن إسحاق وابن جريج . وقيل : هو خطاب للمؤمنين وتقديره : ما كان الله ليذركم يا
معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق . وعلى هذا فيكون قد
رجع من الخبر إلى الخطاب ، كقوله : ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) .
واختلف في أنه بأي شئ ميز بين الخبيث والطيب فقيل : بالامتحان وتكليف
الجهاد ، ونحوه مما يظهر به الحال ، كما ظهر يوم أحد ، بأن ثبت المؤمنون وتخلف
المنافقون ، عن الجبائي . وقيل : بالآيات والدلالات التي يستدل بها عليهم . وقيل :
بأن ينصر الله المؤمنين ويكثرهم ، ويعز الدين ، ويذل الكافرين والمنافقين ، عن أبي
مسلم . وقيل : بأن يفرض الفرائض ، فيثبت المؤمن على إيمانه ، ويتميز ممن ينقلب
على عقبيه . ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) أي : ما كان الله ليظهر على غيبه
أحدا منكم ، فتعلموا ما في القلوب أن هذا مؤمن ، وهذا منافق ( ولكن الله يجتبي من
رسله من يشاء ) أي : يختار من يشاء فيطلعه على الغيب أي : يوقفه على علم
الغيب ، ويعرفه إياه .
( فآمنوا بالله ورسله ) كما أمركم ( وإن تؤمنوا ) أي : تصدقوا ( وتتقوا ) عقابه
بلزوم أمره ، واجتناب نهيه ( فلكم ) في ذلكم ( أجر عظيم ) وقيل : معناه يصطفي
من رسله من يشاء ، ممن يصلح له ، ولا يطلعه على الغيب ، عن السدي . وفي هذه
الآية دلالة على أنه يجوز أن يصلح جماعة لرسالته ، فيختار منهم من يشاء ، إما لأنه
أصلح ، وبالتأدية أقوم ، وعن المنفرات أبعد . وإما لأنهم قد تساووا في جميع
الوجوه ، فيختار من يشاء من بينهم ، لأن النبوة ليست مستحقة ، ولا جزاء . وفيها
دلالة على أن الثواب مستحق بالإيمان والتقوى ، خلافا لمن قال إنه تفضل .
( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو
شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض
والله بما تعملون خبير [ 180 ] ) .
تفسير مجمع البيان — صفحة 457
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٥٧