القراءة : ذكرنا اختلاف القراءة فيه : فمن قرأ ( يحسبن ) بالياء فالذين يبخلون
فاعل ( يحسبن ) . والمفعول الأول محذوف من اللفظ لدلالة اللفظ عليه ، وهو مثل
قولك : من كذب كان شرا له أي : كان الكذب شرا له . وكذلك في الآية ( لا
يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ) البخل ( هو خير لهم ) . فدخلت
( هو ) فصلا لأن تقدم يبخلون بمنزلة تقدم البخل . ومن قرأ بالتاء فالفاعل المخاطب
وهو النبي ، ( والذين يبخلون ) : مفعول أول لتحسبن . و ( خيرا لهم ) : المفعول
الثاني . وفي الكلام حذف تقديره : ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا
لهم ، وهو فصل . وإنما احتجت إلى هذا المحذوف ليكون المفعول الثاني هو الأول
في المعنى ، لأن هذه الأفعال إنما تدخل على المبتدأ والخبر . وإذا كان الخبر
مفردا ، فيجب أن يكون هو المبتدأ في المعنى . والبخل هو منع الواجب ، لأنه توعد
عليه ، وذم به ، وأصله في اللغة المشقة في الإعطاء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
ويعقوب : ( يعملون ) بالياء كناية عن الذين يبخلون . والباقون بالتاء على الخطاب .
المعنى : ( ولا يحسبن ) الباخلون ( الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله )
أي : أعطاهم الله من الأموال ، فيبخلون باخراج الحقوق الواجبة فيها ذلك البخل
( هو خيرا لهم بل هو شر لهم ) وعلى القراءة الأخرى : لا تحسبن أيها السامع ، أو
لا تظنن يا محمد . فالخطاب له ، والمراد غيره . بخل الذين يبخلون خيرا لهم ، بل
هو شر لهم أي : ليس كذلك كما يظنون بل ذلك البخل شر لهم ( سيطوقون ما بخلوا
به يوم القيامة ) اختلف في معناه فقيل : يجعل ما بخل به من المال طوقا في عنقه .
والآية نزلت في مانعي الزكاة ، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " ، وهو قول ابن
مسعود وابن عباس والسدي والشعبي وغيرهم . وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال : " ما
من رجل لا يؤدى الزكاة إلا جعل في عنقه شجاع يوم القيامة " . ثم تلا هذه الآية .
وقال : " ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه ، يسأله من فضل أعطاه الله إياه ، فيبخل به
عنه ، إلا أخرج الله له من جهنم شجاعا يتلمظ بلسانه حتى يطوقه " . وتلا هذه الآية .
وقيل : معناه يجعل في عنقه يوم القيامة طوقا من نار ، عن النخعي . وقيل : معناه
يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به من أموالهم ، عن مجاهد . وقيل : هو
كقوله : ( يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم )
فمعناه : إنه يجعل طوقا فيعذب بها ، عن الجبائي . وقيل : معناه إنه يعود عليهم
وباله ، فيصير طوقا لأعناقهم ، كقوله : ( وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ) عن ابن
تفسير مجمع البيان — صفحة 458
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٥٨