الله ، كما سمي روح الله ، لأن الناس كانوا يحيون به في أديانهم كما يحيون
بأرواحهم . وكان يحيى أكبر سنا من عيسى بستة أشهر ، وكلف التصديق به ، فكان
أول من صدقه ، وشهد أنه كلمة الله وروحه ، وكان ذلك إحدى معجزات
عيسى " عليه السلام " ، وأقوى الأسباب لإظهار أمره ، فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى
لمعرفتهم بصدقه وزهده .
( وسيدا ) في العلم والعبادة ، عن قتادة . وقيل : في الحلم والتقى وحسن
الخلق ، عن الضحاك . وقيل : كريما على ربه ، عن ابن عباس . وقيل : فقيها
عالما ، عن سعيد بن المسيب . وقيل : مطيعا لربه ، عن سعيد بن جبير . وقيل :
مطاعا عن الخليل . وقيل : سيدا للمؤمنين بالرئاسة عليهم عن الجبائي . والجميع
يرجع إلى أصل واحد وهو أنه أهل لتمليكه تدبير من يجب عليه طاعته ، لما هو عليه
من هذه الأحوال .
( وحصورا ) : وهو الذي لا يأتي النساء ، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن
وقتادة ، وهو المروي عن أبي عبد الله ، ومعناه أنه يحصر نفسه عن الشهوات أي :
يمنعها . وقيل : الحصور الذي لا يدخل في اللعب والأباطيل ، عن المبرد . وقيل :
هو العنين ، عن ابن المسيب والضحاك . وهذا لا يجوز على الأنبياء ، لأنه عيب
وذم ، ولأن الكلام خرج مخرج المدح ( ونبيا من الصالحين ) أي : رسولا شريفا رفيع
المنزلة من جملة الأنبياء ، لأن الأنبياء كلهم كانوا صالحين .
وفي هذه الآية دلالة على أن زكريا إنما طمع في الولد ، لما رأى تلك
المعجزات ، وهو إن كان عالما بأنه تعالى يقدر على أن يخلق الولد من العاقر ، فقد
كان يجوز أن لا يفعل في لك لبعض التدبير . فلما رأى خرق العادة بخلق الفاكهة في
غير وقتها ، قوي ظنه في أنه يفعل ذلك إذا اقتضته المصلحة ، كما أن إبراهيم وإن
كان عالما بأنه تعالى يقدر على إحياء الموتى ، سأل ذلك مشاهدة ، ليتأكد معرفته .
وفيها دلالة على أن الولد الصالح نعمة من الله تعالى على العبد ، فلذلك بشره به .
( قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال
كذلك الله يفعل ما يشاء [ 40 ] ) .
اللغة : العاقر من الرجال : الذي لا يولد له ، ومن النساء : التي لا تلد .
تفسير مجمع البيان — صفحة 287
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٨٧