محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " ( في فئتين التقتا ) أي : فرقتين اجتمعتا ببدر من المسلمين والكافرين
( فئة ) فرقة ( تقاتل ) تحارب ( في سبيل الله ) في دينه وطاعته ، وهم الرسول
وأصحابه ( وأخرى ) اي : فرقة أخرى ( كافرة ) وهم المشركون من أهل مكة
( يرونهم مثليهم ) أي : ضعفهم ( رأي العين ) أي : في ظاهر العين .
واختلف في معناه فقيل : معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم ،
قللهم الله في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين رجلا ، تقوية لقلوبهم ، وذلك
أن المسلمين قد قيل لهم : ( فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين ) فأراهم الله
عددهم حسب ما حد لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليهم ، ولا يحجموا
عنهم . وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير ، عن ابن
مسعود ، وجماعة من العلماء . وقيل : إن الرؤية للمشركين ، يعني : يرى المشركون
المسلمين ضعفي ما هم عليه ، فإن الله تعالى قبل القتال قلل المسلمين في أعينهم
ليجترئوا عليهم ، ولا ينصرفوا . فلما أخذوا في القتال ، كثرهم في أعينهم ليجبنوا ،
وقلل المشركين في أعين المسلمين ليجترئوا عليهم . وتصديق ذلك قوله تعالى : ( وإذ
يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ) الآية . وذلك أحسن
أسباب النصر للمؤمنين ، والخذلان للكافرين ، وهذا قول السدي . وإنما يتأتى هذا
القول على قراءة من قرأ بالياء .
فأما قول من قرأ بالتاء فلا يحتمله إلا قول الأول على أن يكون الخطاب لليهود
الذين لم يحضروا ، وهم المعنيون بقوله : ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون )
وهم يهود بني قينقاع فكأنه قال : ( ترون أيها اليهود المشركين مثلي المسلمين مع أن
الله أظهرهم عليهم فلا تغتروا بكثرتكم ) ، واختار البلخي هذا الوجه . أو يكون
الخطاب للمسلمين الذي حضروا الوقعة أي : ترون أيها المسلمون المشركين مثلي
المسلمين . وقال الفراء : يحتمل قوله ( يرونهم مثليهم ) يعني ثلاثة أمثالهم ، لأنك
إذا قلت عندي ألف ، وأحتاج إلى مثلها ، فأنت تحتاج إلى ألفين ، لأنك تريد أحتاج
إلى مثلها مضافا إليها ، لا بمعنى بدلا منها . فكأنك قلت : أحتاج إلى مثليها . وإذا
قلت : أحتاج إلى مثليها ، فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف ، فكذلك في الآية المعنى
( يرونهم مثليهم ) مضافا إليهم ، فذلك ثلاثة أمثالهم . قال : والمعجز فيه إنما كان
من جهة غلبة القليل الكثير .
تفسير مجمع البيان — صفحة 250
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٥٠