( قال أولم تؤمن ) هذه الألف استفهام ويراد به التقرير كقول الشاعر :
ألستم خير من ركب المطايا ، * وأندى العالمين بطون راح ( 1 )
أي : قد آمنت لا محالة ، فلم تسأل ذا ؟ وهذه الألف إذا دخلت على الإثبات
فالمراد النفي كقوله ( أأنت قلت للناس ) أي : لم تقل . ( قال بلى ولكن ليطمئن
قلبي ) أي : بلى أنا مؤمن ، ولكن سألت ذاك لازداد يقينا إلى يقيني ، عن الحسن
وقتادة ومجاهد وابن جبير . وقيل : لأعاين ذلك ، ويسكن قلبي إلى علم العيان بعد
علم الاستدلال . وقيل : ليطمئن قلبي بأنك قد أجبت مسألتي ، واتخذتني خليلا ،
كما وعدتني .
( قال فخذ أربعة من الطير ) مختلفة الأجناس ، وإنما خص الطير من بين سائر
الحيوانات لخاصية الطيران . وقيل : إنها الطاووس والديك والحمام والغراب ، أمر أن
يقطعها ، ويخلط ريشها بدمها ، هذا قول مجاهد وابن جريج وعطاء وابن زيد ، وهو
المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " ( فصرهن إليك ) أي : قطعهن ، عن ابن عباس
وسعيد بن جبير والحسن . وقيل : معناه اضممهن إليك ، عن عطاء وابن زيد ، وقد
تقدم بيانه في وجه القراءة .
( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا ) . وروي عن أبي
عبد الله " عليه السلام " أن معناه : فرقهن على كل جبل ، وكانت عشرة أجبل ، ثم خذ
بمناقيرهن ، وادعهن باسمي الأكبر ، وحلفهن بالجبروت والعظمة ، يأتينك سعيا .
ففعل إبراهيم ذلك ، وفرقهن على عشرة أجبل ، ثم دعاهن فقال : أجبن بإذن الله .
فكانت تجتمع ويأتلف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه ، وطارت إلى إبراهيم .
وقيل : إن الجبال كانت سبعة ، عن ابن جريج والسدي . وقيل : كانت أربعة ، عن
ابن عباس والحسن وقتادة . وقيل : أراد كل جبل على العموم بحسب الإمكان ، كأنه
قال : فرقهن على كل جبل يمكنك التفرقة عليه ، عن مجاهد والضحاك .
ويسأل فيقال : كيف قال ثم أدعهن ، ودعاء الجماد قبيح ؟ وجوابه : إنه أراد
بذلك الإشارة إليها والإيماء ، لتقبل عليه إذا أحياها الله . وقيل : معنى الدعاء هاهنا
هامش
( 1 ) المطايا كسجايا جمع مطية : الدابة السرية . أندى أفعل تفضيل من الندى : المطر والمراد
السخاء . والراح جمع الراحة : الكف . والقائل جرير أحد أعمدة الثالوث الأموي ( الفرزدق
والأخطل وجرير .