للحق الذي جئتهم به ، طوعا أو كرها ، ثم كرر ذلك فقال : ( إن مع العسر يسرا )
روى عطاء عن ابن عباس قال : يقول الله تعالى : ( خلقت عسرا واحدا ، وخلقت
يسرين ، فلن يغلب عسر يسرين ) . وعن الحسن قال : خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما
مسرورا فرحا ، وهو يضحك ، ويقول : ( لن يغلب عسر يسرين ) : ( فإن مع العسر
يسرا إن مع العسر يسرا ) . قال الفراء : إن العرب تقول : إذا ذكرت نكرة ، ثم
أعدتها نكرة مثلها ، صارتا اثنتين ، كقولك إذا كسبت درهما فأنفق درهما ، فالثاني غير
الأول ، فإذا أعدتها معرفة فهي هي كقولك إذا كسبت الدرهم فأنفق الدرهم ، فالثاني
هو الأول ، ونحو هذا ما قال الزجاج : إنه ذكر العسر مع الألف واللام ، ثم ثنى
ذكره ، فصار المعنى إن مع العسر يسرين .
وقال صاحب كتاب النظم في تفسير هذه الآية إن الله بعث نبيه ، وهو مقل
مخف ، وكانت قريش تعيره بذلك حتى قالوا له : إن كان بك من هذا القول الذي
تدعيه طلب الغنى ، جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة . فكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ذلك ، وظن أن قومه إنما يكذبوه لفقره ، فوعده الله سبحانه الغنى ليسليه بذلك ، عما
خامره من الهم ، فقال : ( فإن مع العسر يسرا ) وتأويله : لا يحزنك ما يقولون ، وما
أنت فيه من الإقلال ، فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا . ثم أنجز ما وعده فلم
يمت حتى فتح عليه الحجاز . وما والاها من القرى العربية ، وعامة بلاد اليمن . فكان
يعطي المائتين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ويعد لأهله قوت سنته . ثم ابتدأ
فصلا آخر فقال : ( إن مع العسر يسرا ) والدليل على ابتدائه تعريه من فاء وواو ، وهو
وعد لجميع المؤمنين ، لأنه يعني بذلك أن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرا في
الآخرة ، وربما اجتمع له اليسران : يسر الدنيا ، وهو ما ذكر في الآية الأولى ، ويسر
الآخرة ، وهو ما ذكر في الآية الثانية . فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : لن يغلب عسر يسرين أي : يسر
الدنيا والآخرة . فالعسر بين يسرين إما فرج الدنيا ، وإما ثواب الآخرة . وهذا الذي
ذكره الجرجاني ، يؤيد ما ذهب إليه المرتضى ، قدس الله روحه ، من أن القائل إذا
قال شيئا ، ثم كرره ، فإن الظاهر من تغاير الكلامين ، تغاير مقتضاهما ، حتى يكون
كل واحد منهما ، مفيدا لما لا يفيده الآخر ، فيجب مع الإطلاق حمل الثاني على غير
مقتضى الأول ، إلا إذا كان بين المتخاطبين عهد أو دلالة يعلم المخاطب بذلك ، أن
المخاطب أراد بكلامه الثاني الأول ، فيحمله على ذلك ، وأنشد أبو بكر الأنباري :
تفسير مجمع البيان — صفحة 390
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٩٠