تجعل الهم ثقلا ، عن أبي مسلم . وقيل : معناه وعصمناك عن احتمال الوزر ، فإن
المقصود من الوضع أن لا يكون عليه ثقل ، فإذا عصم كان أبلغ في أن لا يكون . قال
المرتضى ، قدس الله روحه : إنما سميت الذنوب بأنها أوزار ، لأنها تثقل كاسبها
وحاملها ، فكل شئ أثقل الانسان وغمه وكده ، جاز أن يسمى وزرا ، فلا يمتنع أن
يكون الوزر في الآية إنما أراد به غمه صلى الله عليه وآله وسلم بما كان عليه قومه من الشرك ، وأنه
وأصحابه بينهم مقهور مستضعف . فلما أعلى الله كلمته ، وشرح صدره ، وبسط
يده ، خاطبه بهذا الخطاب ، تذكيرا له بمواقع النعمة ، ليقابله بالشكر . ويؤيده ما
بعده من الآيات ، فإن اليسر بإزالة الهموم أشبه ، والعسر بإزالة الشدائد والغموم
أشبه . فإن قيل : إن السورة مكية ، نزلت قبل أن يعلي الله كلمة الاسلام ، فلا وجه
لقولكم ؟ قلنا : إنه سبحانه لما بشره بأن يعلي دينه على الدين كله ، ويظهره على
أعدائه ، كان بذلك واضعا عنه ثقل غمه ، بما كان يلحقه من أذى قومه ، ومبدلا عسره
يسرا ، فإنه يثق بأن وعد الله حق . ويجوز أيضا أن يكون اللفظ ، وإن كان ماضيا ،
فالمراد به الاستقبال كقوله ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) ، ( ونادوا يا مالك
ليقض علينا ربك ) ولهذا نظائر كثيرة .
( ورفعنا لك ذكرك ) أي قرنا ذكرك بذكرنا ، حتى لا أذكر إلا وتذكر معي يعني ،
في الأذان والإقامة ، والتشهد والخطبة على المنابر ، عن الحسن وغيره . قال قتادة :
رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ، ولا متشهد ، ولا صاحب صلاة ،
إلا وينادي بأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله . وفي الحديث عن
أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية قال : قال لي جبرائيل : قال الله
عز وجل . إذا ذكرت ذكرت معي ) وفي هذا يقول حسان بن ثابت ، يمدح
النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
أغر عليه للنبوة خاتم * من الله مشهور يلوح ، ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن : أشهد
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود ، وهذا محمد
ثم وعد سبحانه اليسر والرخاء بعد الشدة ، وذلك أنه كان بمكة في شدة قال :
( فإن مع العسر يسرا ) أي مع الفقر سعة ، عن الكلبي . وقيل : معناه إن مع الشدة
التي أنت فيها من مزاولة المشركين يسرا ورخاء بأن يظهرك الله عليهم ، حتى ينقادوا
تفسير مجمع البيان — صفحة 389
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٨٩