ثماني سنين ، فسلمه إلى أبي طالب عليه السلام ، لأنه كان أخا عبد الله لأمه ، فأحسن
تربيته . وسئل الصادق عليه السلام : لم أوتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أبويه ، فقال : لئلا يكون
لمخلوق عليه حق والآخر : أن يكون المعنى ألم يجدك واحدا لا مثل لك في شرفك
وفضلك ، فآواك إلى نفسه ، واختصك برسالته من قولهم : درة يتيمة إذا لم يكن لها
مثل . قال :
لا ، ولا درة يتيمة بحر * تتلألأ في جؤبة البياع ( 1 )
وقيل : فآواك أي جعلك مأوى للأيتام بعد أن كنت يتيما ، وكفيلا للأنام بعد أن
كنت مكفولا ، عن الماوردي .
ثم ذكر نعمة أخرى فقال ( ووجدك ضالا فهدى ) قيل في معناه أقوال أحدها :
وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من النبوة والشريعة أي : كنت غافلا عنهما ، فهداك
إليهما ، عن الحسن والضحاك والجبائي . ونظيره ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا
الإيمان ) وقوله : ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) فمعنى الضلال على هذا هو
الذهاب عن العلم مثل قوله ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) . وثانيها :
إن المعنى وجدك متحيرا لا تعرف وجوه معاشك ، فهداك إلى وجوه معاشك ، فإن
الرجل إذا لم يهتد طريق مكسبه ، ووجه معيشته يقال إنه ضال لا يدري إلى أين
يذهب ، ومن أي وجه يكتسب ، عن أبي مسلم . وفي الحديث : ( نصرت بالرعب ،
وجعل رزقي في ظل رمحي ) يعني الجهاد . وثالثها : إن المعنى وجدك لا تعرف
الحق ، فهداك إليه بإتمام العقل ، ونصب الأدلة ، والإلطاف حتى عرفت الله بصفاته
بين قوم ضلال مشركين ، وذلك من نعم الله سبحانه عليك رابعها : وجدك ضالا في
شعاب مكة ، فهداك إلى جدك عبد المطلب ، فروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم ضل في شعاب
مكة ، وهو صغير ، فرآه أبو جهل ، ورده إلى جده عبد المطلب ، فمن الله سبحانه
بذلك عليه ، إذ رده إلى جده على يد عدوه ، عن ابن عباس .
وخامسها : ما روي أن حليمة بنت أبي ذؤيب ، لما أرضعته مدة ، وقضت حق
الرضاع ، ثم أرادت رده على جده ، جاءت به حتى قربت من مكة ، فضل في
الطريق ، فطلبته جزعة ، وكانت تقول : إن لم أره لأرمين نفسي من شاهق ، وجعلت
هامش
( 1 ) الجؤبة : سلة مستديرة مغشاة أدما يجعل فيها الطيب والثياب .