ثم بين سبحانه ذلك اليوم فقال : ( ليوم الفصل ) أي يوم يفصل الرحمن بين
الخلائق . ثم عظم ذلك اليوم فقال : ( وما أدراك ما يوم الفصل ) ثم أخبر سبحانه
حال من كذب به فقال : ( ويل يومئذ للمكذبين ) هذا تهديد ووعيد . إنما خص
الوعيد بمن جحدوا يوم القيامة ، وكذبوا به ، لأن التكذيب بذلك يتبعه خصال
المعاصي كلها ، وإن لم يذكر معه . والعامل في الظرف محذوف يدل عليه قوله :
( إنما توعدون لواقع ) والتقدير : فإذا طمست النجوم ، وفرجت السماء ، ونسفت
الجبال ، وأقتت الرسل ، وقعت القيامة .
( ألم نهلك الأولين ( 16 ) ثم نتبعهم الأخرين ( 17 ) كذلك نفعل بالمجرمين ( 18 )
ويل يومئذ للمكذبين ( 19 ) ألم نخلقكم من ماء مهين ( 20 ) فجعلناه في قرار مكين ( 21 ) إلى قدر
معلوم ( 22 ) فقدرنا فنعم القادرون ( 23 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 24 ) ألم نجعل الأرض كفاتا ( 25 )
أحياء وأمواتا ( 26 ) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ( 27 ) ويل يومئذ
للمكذبين ( 28 ) .
القراءة : قرأ أهل المدينة والكسائي : ( فقدرنا ) بالتشديد . والباقون :
( فقدرنا ) بالتخفيف . وفي الشواذ قراءة الأعرج : ( نتبعهم ) بالجزم .
الحجة : قد تقدم أن قدر وقدر بمعنى ، والتخفيف أليق بقوله ( فنعم
القادرون ) . ومن شد أراد أن يجئ باللغتين ، كما يقال جاد مجد ( 1 ) . وكقوله
سبحانه ( فمهل الكافرين أمهلهم ) ومن جزم نتبعهم ، فإنه يحتمل أمرين أحدهما :
إنه أسكن العين استثقالا لتوالي الحركات والثاني : أن يكون عطفا على نهلك ، كما
تقول : ألم أزرك ثم أحسن إليك ، فيكون معنى هذه القراءة أنه يريد قوما أهلكهم الله
سبحانه بعد قوم قبلهم ، على اختلاف أوقات المرسلين إليهم نبيا بعد نبي . وأما الرفع
على القراءة المشهورة ، فلاستئناف الكلام ، أو على أن يجعل خبر مبتدأ محذوف .
اللغة : القرار : المكان الذي يمكن طول المكث فيه . والقدر : المقدر المعلوم
هامش
( 1 ) فلان جاد مجد أي مجتهد يقال : جد الرجل في أمره إذا بلغ فيه جده ، وأجد لغة ، فجمع بينهما
في الكلام ههنا .