يقود له فرسه ، فازدحم جهجاه ، وسنان الجهني من بني عوف بن خزرج ، على
الماء ، فاقتتلا . فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار ! وصرخ الغفاري : يا معشر
المهاجرين ! فأعان الغفاري رجل من المهاجرين ، يقال له جعال ، وكان فقيرا ، فقال
عبد الله بن أبي لجعال : إنك لهتاك . فقال : وما يمنعني أن أفعل ذلك . واشتد لسان
جعال على عبد الله ، فقال عبد الله : والذي يحلف به لآزرنك ويهمك غير هذا .
وغضب ابن أبي ، وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم ، حديث السن ، فقال ابن
أبي : قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل : " ( سمن
كلبك يأكلك ) " أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ، ليخرجن الأعز منها الأذل ! يعني بالأعز
نفسه ، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم
بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام ،
لم يركبوا رقابكم ، ولأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم ، ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم .
فقال زيد بن أرقم . أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم في
عز من الرحمن ، ومودة من المسلمين . والله لا أحبك بعد كلامك هذا . فقال
عبد الله : اسكت فإنما كنت ألعب . فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك
بعد فراغه من الغزو ، فأخبره الخبر . فامر رسول الله بالرحيل ، وأرسل إلى
عبد الله فاتاه فقال : ما هذا الذي بلغني عنك ؟ فقال عبد الله : والذي أنزل عليك
الكتاب ! ما قلت شيئا من ذلك قط ، وإن زيدا لكاذب . وقال من حضر من الأنصار :
يا رسول الله ! شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار ، عسى أن
يكون هذا الغلام وهم في حديثه . فعذره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفشت الملامة من الأنصار
لزيد . ولما استقل رسول الله فسار ، لقيه أسيد بن الحضير فحياه بتحية النبوة ،
ثم قال : يا رسول الله ! لقد رحت في ساعة منكرة ، ما كنت تروح فيها ؟ فقال له
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أوما بلغك ما قال صاحبكم ؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج
الأعز منها الأذل ! فقال أسيد : فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت ، هو والله
الذليل ، وأنت العزيز . ثم قال : يا رسول الله ! أرفق به ، فوالله لقد جاء الله بك وإن
قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ، وإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا . وبلغ عبد الله بن
عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ! إنه
تفسير مجمع البيان — صفحة 22
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٢