( بل يريد الانسان ) أي يريد الكافر ( ليفجر أمامه ) هذا إخبار من الله تعالى أن
الانسان يمضي قدما في معاصي الله تعالى ، راكبا رأسه ، لا ينزع عنها ولا يتوب ،
عن مجاهد والحسن وعكرمة والسدي ، أي فهذا هو الذي يحمله على الإعراض عن
مقدورات ربه ، فلذلك لا يقر بالبعث ، وينكر النشور . وقيل : ليفجر أمامه أي ليفكر
بما قدامه من البعث ، ويكذب به ، فالفجور هو التكذيب . وعن الزجاج قال : ويجوز
أن يريد أنه يسوف التوبة ، ويقدم الأعمال السيئة . وقال ابن الأنباري : يريد أن يفجر
ما امتد عمره ، وليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه . وقيل : معناه أنه يقول أعمل
ثم أتوب ، عن عطية ، والمراد أنه يتعجل المعصية ، ثم يسوف التوبة ، يقول غدا ،
وبعد غد ( يسأل أيان يوم القيامة ) معناه : إن الذي يفجر أمامه يسأل متى تكون
القيامة ، فإن معنى أيان متى ، إلا أن السؤال بمتى أكثر من السؤال بأيان فلذلك حسن
أن يفسر بها ، وإنما يسأل عن ذلك تكذيبا واشتغالا بالدنيا ، من غير تفكر في العاقبة ،
فإذا خوف بالقيامة قال : متى يكون ذلك .
ثم قال سبحانه : ( فإذا برق البصر ) أي شخص البصر عند معاينة ملك
الموت ، فلا يطرف من شدة الفزع . وقيل : إذا فزع وتحير لما يرى من أهوال
القيامة ، وأحوالها مما كان يكذب به في الدنيا . وهذا كقوله لا يرتد إليهم طرفهم ،
عن قتادة ، وأبي مسلم ( وخسف القمر ) أي ذهب نوره وضوؤه ( وجمع الشمس
والقمر ) جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف ، ليتكامل ظلام الأرض على أهلها
حتى يراها كل أحد بغير نور وضياء ، عن مجاهد ، وهو اختيار الفراء ، والزجاج .
والجمع على ثلاثة أقسام جمع في المكان ، وجمع في الزمان ، وجمع الأعراض في
المحل . فأما جمع الشيئين في حكم أو صفة ، فمجاز ، لأن حقيقة الجمع جعل أحد
الشيئين مع الآخر . وقيل : جمع بينهما في طلوعهما من المغرب ، كالبعيرين
القرينين ، عن ابن مسعود ( يقول الانسان ) المكذب بالقيامة ( يومئذ أين المفر ) أي
أين الفرار ، ويجوز أن يكون معناه : أين موضع الفرار ، عن الفراء . وقال الزجاج :
المفر بالفتح الفرار . والمفر بالكسر مكان الفرار .
قال الله سبحانه ( كلا لا وزر ) أي لا مهرب ، ولا ملجأ لهم يلجأون إليه .
والوزر . ما يتحصن به من جبل أو غيره ، ومنه الوزير الذي يلجأ إليه في الأمور .
وقيل : معناه لا حصن ، عن الضحاك ( إلى ربك يومئذ المستقر ) أي المنتهى ، عن
تفسير مجمع البيان — صفحة 194
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٩٤