جانب ، ويحترقون في النار من جانب . وأنشد ابن الأنباري :
الخلق مجتمع طورا ، ومفترق ، * والحادثات فنون ذات أطوار
لا تعجبن لأضداد إذا اجتمعت ، * فالله يجمع بين الماء ، والنار
( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) أي نازل دار . يعني :
لا تدع منهم أحدا إلا أهلكته . قال قتادة : ما دعا بهذا عليهم إلا بعد أن أنزل عليه أنه
لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، فلذلك قال : ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك )
أي إن تتركهم ولم تهلكهم ، يضلوا عبادك عن الدين بالإغواء والدعاء إلى خلافه ( ولا
يلدوا إلا فاجرا كفارا ) وإلا فلم يعلم نوح الغيب ، وإنما قال ذلك بعد أن أعلمه الله
إياه . والمعنى : ولا يلدوا إلا من يكون عند بلوغه كافرا ، لأنه لا يذم على الكفر من
لم يقع منه فعل الكفر ، وقال مقاتل والربيع وعطاء : إنما قال ذلك نوح عليه السلام لأن الله
تعالى أخرج من أصلابهم كل من يكون مؤمنا ، وأعقم أرحام نسائهم ، وأيبس أصلاب
رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة . وأخبر الله تعالى نوحا بأنهم لا يؤمنون ، ولا يلدون
مؤمنا ، فحينئذ دعا عليهم ، فأجاب الله دعاءه ، فأهلكهم كلهم ، ولم يكن فيهم صبي
وقت العذاب .
ثم دعا لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات فقال : ( رب اغفر لي ولوالدي ) واسم أبيه
لمك بن متوشلخ ، واسم أمه سمحاء بنت أنوش وكانا مؤمنين . وقيل : يريد آدم
وحواء ( ولمن دخل بيتي مؤمنا ) أي دخل داري . وقيل : مسجدي ، عن الضحاك .
وقيل : سفينتي . وقيل : يريد بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم . ( وللمؤمنين والمؤمنات ) عامة .
وقيل : من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلبي . ( ولا تزد الظالمين إلا تبارا ) أي هلاكا
ودمارا . قال أهل التحقيق : دعا نوح ( ع ) دعوتين . دعوة على الكافرين ، ودعوة
للمؤمنين ، فاستجاب الله دعوته على الكافرين ، فأهلك من كان منهم على وجه
الأرض ، ونرجو أن يستجيب أيضا دعوته للمؤمنين ، فيغفر لهم .
تفسير مجمع البيان — صفحة 139
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٣٩