من حالهم ما لم يعلمه ، فإنه عز اسمه العالم لذاته ، يعمل جميع ما كان منهم ،
ولكن ليظهر ذلك لخلقه .
ثم قسم سبحانه حال المكلفين في ذلك اليوم فقال : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه
فيقول ) لأهل القيامة ( هاؤم ) أي تعالوا ( اقرأوا كتابيه ) وإنما يقوله سرورا به ، لعلمه
بأنه ليس فيه إلا الطاعات ، فلا يستحي أن ينظر فيه غيره . وأهل اللغة يقولون : إن
معنى ( هاؤم ) خذوا . ( إني ظننت ) أي علمت وأيقنت في الدنيا ( أني ملاق
حسابيه ) والهاء لنظم رؤوس الآي وهي هاء الاستراحة ، والمعنى : إني كنت مستيقنا
في دار الدنيا بأني ألقى حسابي يوم القيامة ، عالما بأني أجازي على الطاعة بالثواب ،
وعلى المعصية بالعقاب ، فكنت أعمل بما أصل به إلى هذه المثوبة ( فهو في عيشة
راضية ) أي في حالة من العيش ، راضية يرضاها ، بأن لقي الثواب ، وأمن العقاب .
( في جنة عالية ) أي رفيعة القدر والمكان ( قطوفها دانية ) أي ثمارها قريبة ممن
يتناولها . قال البراء بن عازب : يتناول الرجل من الثمرة ، وهو نائم . وقد ورد في
الخبر عن عطاء بن يسار ، عن سلمان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يدخل الجنة
أحدكم إلا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم : هذا كتاب من الله لفلان بن فلان ،
أدخلوه جنة عالية ، قطوفها دانية ) . وقيل : معناه لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد ، ولا
شوك ، عن قتادة ( كلوا واشربوا ) أي يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة ( هنيئا لما
أسلفتم ) أي قدمتم من أعمالكم الصالحة ( في الأيام الخالية ) الماضية يعني أيام
الدنيا ، ويعني بقوله ( هنيئا ) أنه ليس فيه ما يؤذي ، فلا يحتاج فيه إلى اخراج فضل
بغائط أو بول .
( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ( 25 ) ولم أدر ما حسابيه ( 26 )
يا ليتها كانت القاضية ( 27 ) ما أغنى عني ماليه ( 28 ) هلك عني سلطانيه ( 29 ) خذوه فغلوه
( 30 ) ثم الجحيم صلوه ( 31 ) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ( 32 ) انه كان لا يؤمن
بالله العظيم ( 33 ) ولا يحض على طعام المسكين ( 34 ) فليس له اليوم ههنا حميم ( 35 ) ولا طعام إلا
من غسلين ( 36 ) لا يأكله الا الخاطئون ( 37 )
تفسير مجمع البيان — صفحة 109
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٠٩