ينصرف منه أحد وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا ، فهم يعودون إليه ، عن ابن عباس .
وقد ورد في الخبر أن من رجع من مكة ، وهو ينوي الحج من قابل ، زيد في عمره ،
ومن خرج من مكة وهو لا ينوي العود إليها ، فقد قرب أجله . وقيل : معناه يحجون
إليه فيثابون عليه . وقيل : مثابة معاذا وملجأ . وقيل : مجمعا والمعنى في الكل يؤول
إلى أنهم يرجعون إليه مرة بعد مرة . وقوله : ( وأمنا ) أراد مأمنا أي : موضع أمن ،
وإنما جعله الله آمنا بأن حكم أن من عاذ به ، والتجأ إليه ، لا يخاف على نفسه ما دام
فيه ، وبما جعله في نفوس العرب من تعظيمه ، حتى كانوا لا يتعرضون من فيه فهو
آمن على نفسه وماله ، وإن كانوا يتخطفون الناس من حوله ، ولعظم حرمته لا يقام في
الشرع الحد على من جنى جناية فالتجأ إليه وإلى حرمه ، لكن يضيق عليه في المطعم
والمشرب ، والبيع والشراء ، حتى يخرج منه ، فيقام عليه الحد ، فإن أحدث فيه ما
يوجب الحد أقيم عليه الحد فيه ، لأنه هتك حرمة الحرم ، فهو آمن من هذه الوجوه .
وكان قبل الاسلام يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم ، فلا يتعرض له ، وهذا شئ
كانوا قد توارثوه من دين إسماعيل ، فبقوا عليه إلى أيام نبينا صلى الله عليه وآله وسلم . وقوله :
( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) قال ابن عباس : الحج كله مقام إبراهيم . وقال
عطاء : مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار . وقال مجاهد : الحرم كله مقام
إبراهيم . وقال الحسن وقتادة والسدي : هو الصلاة عند مقام إبراهيم ، أمرنا بالصلاة
عنده بعد الطواف ، وهو المروي عن الصادق عليه السلام . وقد سئل عن الرجل يطوف
بالبيت طواف الفريضة ، ونسي أن يصلي ركعتين عند مقام إبراهيم ، فقال : يصليها
ولو بعد أيام ، إن الله تعالى قال ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) . وهذا هو
الظاهر ، لأن مقام إبراهيم إذا أطلق لا يفهم منه إلا المقام المعروف الذي هو في
المسجد الحرام .
وفي المقام دلالة ظاهرة على نبوة إبراهيم ، عليه السلام ، فإن الله جعل الحجر
تحت قدميه كالطين حتى دخلت قدمه فيه ، وكان في ذلك معجزة له . وروي عن أبي
جعفر الباقر عليه السلام أنه قال : نزلت ثلاثة أحجار من الجنة : مقام إبراهيم ، وحجر بني
إسرائيل ، والحجر الأسود ، استودعه الله إبراهيم عليه السلام حجرا أبيض ، وكان أشد بياضا
من القراطيس ، فاسود من خطايا بني آدم .
القصة : ابن عباس قال : لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر فوضعهما
تفسير مجمع البيان — صفحة 380
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٨٠