بعدل . وبيت المقدس : لا يخلو المقدس فيه إما أن يكون مصدرا ، أو مكانا ، فإن
كان مكانا فالمعنى بيت المكان الذي فعل فيه الطهارة ، وأضيف إلى الطهارة لأنه
منسك ، كما جاء : ( أن طهر بيتي للطائفين ) وتطهيره : إخلاؤه من الصنم ، وإبعاده
منه . فعلى هذا يكون معناه بيت مكان الطهارة . وإن كان مصدرا ، كان كقوله : ( إلي
مرجعكم ) ونحوه من المصادر التي جاءت على هذا المثال . والهوى مقصورا والشهوة
نظيران هوى يهوى هوى .
المعنى : ثم ذكر سبحانه إنعامه عليهم بإرسال رسله إليهم ، وما قابلوه به
من تكذيبهم فقال : ( ولقد آتينا موسى الكتاب ) أي : أعطيناه التوراة ، وأنزلنا
إليه ( وقفينا من بعده ) أي : أتبعنا من بعد موسى ( بالرسل ) رسولا بعد
رسول ، يتبع الآخر الأول في الدعاء إلى وحدانية الله تعالى ، والقيام بشرائعه
على منهاج واحد ، لأن كل من بعثه الله تعالى نبيا بعد موسى إلى زمن
عيسى ، عليهما السلام ، فإنما بعثه بإقامة التوراة ، والعمل بما فيها ، والدعاء إلى ذلك .
( وآتينا عيسى بن مريم البينات ) أي : أعطيناه المعجزات والدلالات على نبوته من
إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، ونحو ذلك من الآيات الدالة على صدقه
وصحة نبوته . وقال بعضهم : أراد بالبينات الإنجيل ، وما فيه من الأحكام والآيات
الفاصلة بين الحلال والحرام .
( وأيدناه بروح القدس ) أي : قويناه وأعناه بجبريل عليه السلام ، عن قتادة ،
والسدي ، والضحاك ، والربيع . واختلف في سبب تسمية جبرائيل عليه السلام روحا على
وجوه أحدها : إنه يحيي بما يأتي به من البينات الأديان ، كما تحيا بالأرواح الأبدان
وثانيها أنه سمي بذلك لأن الغالب عليه الروحانية ، وكذلك سائر الملائكة . وإنما
خص بهذا الاسم تشريفا له . وثالثها : إنه سمي به وأضيف إلى القدس ، لأنه كان
بتكوين الله تعالى إياه روحا من عنده ، من غير ولادة والد ولده .
وقال ابن زيد : المراد بروح القدس الإنجيل ، كما سمى الله تعالى القرآن
روحا ، فقال : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) فكذلك سمي الإنجيل روحا .
وروى الضحاك ، عن أبن عباس أن الروح الاسم الذي كان عيسى عليه السلام يحيي به
الموتى . وقال الربيع : هو الروح الذي نفخ فيه ، فأضافه إلى نفسه تشريفا ، كما
قال : بيت الله ، وناقة الله . وأقوى الأقوال والوجوه قول من قال : هو جبرائيل عليه السلام .
تفسير مجمع البيان — صفحة 295
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٩٥