فدوا أسراها تصديقا لما في التوراة . والأوس والخزرج أهل شرك ، يعبدون الأوثان ،
لا يعرفون جنة ولا نارا ، ولا قيامة ولا كتابا ، فأنبأ الله تعالى اليهود بما فعلوه . وقال أبو
العالية : كان بنو إسرائيل إذا استضعف قوم قوما أخرجوهم من ديارهم ، وقد أخذ
عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، وأخذ عليهم
الميثاق إن أسر بعضهم بعضا ، أن يفادوهم ، فأخرجوهم من ديارهم ، ثم فادوهم ،
فآمنوا بالفداء ففدوا وكفروا بالإخراج من الديار ، فاخرجوهم . وقيل : ليس الذين
أخرجوهم الذين فودوا ، ولكنهم قوم آخرون على ملتهم ، فأنبهم ( 1 ) الله تعالى على
ذلك .
وقال أبو مسلم الإصبهاني : ليس المراد بقوله : ( أفتؤمنون ) الآية . أنهم
يخرجون ، وهو محرم ، ويفدون وهو واجب . وإنما يرجع ذلك إلى بيان صفة
محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيره . وقوله : ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في
الحياة الدنيا ) اختلف في الخزي الذي خزاهم الله إياه بما سلف منهم من المعصية ،
فقيل : هو حكم الله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أخذ القاتل بمن قتل ،
والقود به قصاصا ، والانتقام من الظالم للمظلوم . وقيل : بل هو أخذ الجزية منهم ما
أقاموا على ذمتهم على وجه الذل والصغار . وقيل : الخزي الذي خزوا في الدنيا :
هو اخراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني النضير من ديارهم لأول الحشر ، وقتل بني قريظة
وسبي ذراريهم ، وكان ذلك خزيا لهم في الدنيا .
ثم أعلم الله سبحانه أن ذلك غير مكفر عنهم ذنوبهم ، وأنهم صائرون بعده إلى
عذاب عظيم ، فقال : ( ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) أي : إلى أشد
العذاب الذي أعده الله لأعدائه ، وهو العذاب الذي لا روح فيه مع اليأس من
التخلص . ( وما الله بغافل عما تعملون ) أي : وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة ، بل
هو حافظ لها ، ومجاز عليها . ومن قرأه بالتاء رده إلى المواجهين بالخطاب في قوله
( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) .
ومما يسأل في هذه الآية : إن ظاهرها يقتضي صحة اجتماع الإيمان والكفر ،
وذلك مناف للصحيح من المذهب ؟ والقول فيه : إن المعنى أنهم أظهروا التصديق
ببعض الكتاب ، والإنكار للبعض دون بعض ، وهذا يدل على أنهم لا ينفعهم الإيمان
هامش
( 1 ) أنبه : عنفه ولامه .