إذا كان جمادا فمحال أن يكون فيه معرفة الله ، وإن كان بنيته بنية الحي ، فإنه لا
يكون جبلا . واما الخبر فإن صح ، فإن معناه أنه سبحانه أحياه ، فسلم على
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أعاده حجرا ، ويكون معجزا له عليه السلام . وثالثها : إنه يدعو المتفكر
فيه إلى خشية الله ، أو يوجب الخشية له ، بدلالته على صانعه ، لما يرى فيه من
الدلالات والعجائب . وأضاف الخشية إليه ، لأن التفكر فيه هو الداعي إلى الخشية ،
كما قال جرير بن عطية :
وأعور من نبهان أما نهاره * فأعمى ، وأما ليله فبصير
فجعل الصفة لليل والنهار ، وهو يريد صاحبه النبهاني الذي يهجوه بذلك من
أجل أنه كان فيهما على ما وصفه به . ورابعها : إنه إنما ذكر ذلك على سبيل ضرب
المثل ، أي : كأنه يخشى الله سبحانه في المثل ، لانقياده لأمره ، ووجد منه ما لو
وجد من حي عاقل ، لكان دليلا على خشية كقوله سبحانه : ( فوجدا فيها جدارا يريد
أن ينقض ) أي : كأنه يريد ، لأنه ظهر فيه من الميل ما لو ظهر من حي لدل على
إرادته الانقضاض ، ومثله قوله ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) وكما قال زيد
الخيل :
بجمع تضل البلق في حجراته ، * ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
فجعل ما ظهر في الأكم من آثار الحوافر ، وقلة مدافعتها لها ، كما يدافع الحجر
الصلد ، سجودا لها . ولو كانت الأكم في صلابة الحديد حتى تمتنع على الحوافر ،
لم يقل إنها تسجد للحوافر . قال جرير :
لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة ، والجبال الخشع
أي : كأنها كذلك . وقال جرير أيضا :
والشمس طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك نجوم الليل ، والقمرا
وكما قال ( 1 ) سبحانه : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من
خشية الله ) أي : لو كانت الجبال مما يخشع لشئ ما ، لرأيته خاشعا . ويؤيد هذا
الوجه قوله سبحانه : ( وتلك الأمثال نضربها للناس ) .
وخامسها : إن هبط يجوز أن يكون متعديا قال الشاعر :
هامش
( 1 ) [ الله ] .