مع معنى حرف الشرط الذي تضمنته " من " في موضع رفع بأنها خبر المبتدأ الذي هو
( من ) ثم الفاء وما بعده من قوله ( فمن تبع هداي ) الآية . في موضع جزم بأنه جزاء
لقوله ( إما يأتينكم ) . وهذا في المقدمات القياسية يسمى الشرطية المركبة ، وذلك أن
المقدم فيها إذا وجب وجب التالي المركب عليه ( 1 ) .
المعنى : ثم بين تعالى اهباطهم إلى الأرض ، فقال ( اهبطوا ) أي :
انزلوا . والخطاب لآدم وحواء على ما ذكرناه من الاختلاف فيه فيما تقدم .
واختلف في تكرار الهبوط فقيل : الهبوط الأول من الجنة إلى السماء ، وهذا
الهبوط من السماء إلى الأرض عن أبي علي . وقيل : إنما كرر للتأكيد . وقيل :
إنما كرر لاختلاف الحالين فقد بين بقوله : ( وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو )
ان الاهباط إنما كان في حال عداوة بعضهم لبعض . وبين بقوله ( قلنا اهبطوا
منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى ) أن الاهباط إنما كان للابتلاء والتكليف كما
يقال إذهب سالما معافى ، إذهب مصاحبا . وإن كان الذهاب واحدا لاختلاف
الحالين ( فإما يأتينكم مني هدى ) أي : بيان ودلالة . وقيل : أنبياء ورسل .
وعلى هذا القول الأخير يكون الخطاب في قوله ( اهبطوا ) لآدم وحواء وذريتهما
كقوله تعالى ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) أي : أتينا
بما فينا من الخلق طائعين . ( فمن تبع هداي ) أي : اقتدى برسلي ، واحتذى
أدلتي ، فلا يلحقهم خوف من أهوال يوم القيامة من العقاب ، ولا هم يحزنون
على فوات الثواب . فأما الخوف والحزن في الدنيا : فإنه يجوز أن يلحقهم ،
لأن من المعلوم أن المؤمنين لا ينفكون منه . وفي هذه الآية دلالة على أن
الهدى قد يثبت ، ولا اهتداء ، وأن الاهتداء إنما يقع بالاتباع والقبول .
( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( 39 ) ) .
اللغة : الكفر والتكذيب قد مضى معناهما فيما تقدم ذكره . والآيات :
جمع آية ، ومعنى الآية في اللغة : العلامة ، ومنه قوله تعالى ( عيدا لأولنا
وآخرنا وآية منك ) أي : علامة لإجابتك دعاءنا . وكل آية من كتاب الله علامة
ودلالة على المضمون فيها . وقال أبو عبيدة : معنى الآية أنها علامة لانقطاع
هامش
( 1 ) الجار متعلق بالتالي .