المعنى : ثم أبان ، سبحانه وتعالى : لملائكته فضل آدم عليهم ، وعلى
جميع خلقه ، بما خصه به من العلم ، فقال سبحانه وتعالى : ( وعلم آدم
الأسماء كلها ) أي : علمه معاني الأسماء ، إذ الأسماء بلا معان لا فائدة فيها ،
ولا وجه لإشارة الفضيلة بها . وقد نبه الله تعالى الملائكة على ما فيها من لطيف
الحكمة ، فأقروا عندما سئلوا عن ذكرها ، والإخبار عنها أنه لا علم لهم بها ،
فقال الله تعالى : ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) عن قتادة . وقيل : إنه سبحانه
علمه جميع الأسماء ، والصناعات وعمارة الأرضين ، والأطعمة والأدوية
واستخراج المعادن ، وغرس الأشجار ومنافعها ، وجميع ما يتعلق بعمارة الدين
والدنيا ، عن ابن عباس ، ومجاهد وسعيد بن جبير ، وعن أكثر المتأخرين .
وقيل : إنه علمه أسماء الأشياء كلها ، ما خلق وما لم يخلق ، بجميع اللغات
التي يتكلم بها ولده بعده ، عن أبي علي الجبائي ، وعلي بن عيسى وغيرهما ، قالوا :
فأخذ عنه ولده اللغات . فلما تفرقوا تكلم كل قوم بلسان ألفوه واعتادوه . وتطاول
الزمان على ما خالف ذلك ، فنسوه . ويجوز أن يكونوا عالمين بجميع تلك اللغات
إلى زمن نوح عليه السلام ، فلما أهلك الله الناس إلا نوحا ومن تبعه ، كانوا هم العارفين
بتلك اللغات . فلما كثروا وتفرقوا اختار كل قوم منهم لغة تكلموا بها ، وتركوا ما سواه
ونسوه . وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال : الأرضين والجبال
والشعاب والأودية ، ثم نظر إلى بساط تحته ، فقال : وهذا البساط مما علمه . وقيل :
إنه علمه أسماء الملائكة وأسماء ذريته ، عن الربيع . وقيل : إنه علمه ألقاب الأشياء
ومعانيها وخواصها ، وهو أن الفرس يصلح لماذا ؟ والحمار يصلح لماذا ؟ وهذا أبلغ ،
لأن معاني الأشياء وخواصها لا تتغير بتغير الأزمنة والأوقات . وألقاب الأشياء تتغير على
طول الأزمنة . وقال بعضهم : إنه تعالى لم يعلمه اللغة العربية ، فإن أول من تكلم
بالعربية إسماعيل عليه السلام . وقالوا : إن الله جعل الكلام معجزة لثلاثة من الأنبياء : آدم
وإسماعيل ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم اختلف في كيفية تعليم الله تعالى آدم الأسماء ، فقيل : علمه بان أودع قلبه
معرفة الأسماء ، وفتق لسانه بها ، فكان يتكلم بتلك الأسماء كلها ، وكان ذلك معجزة
له لكونه ناقضا للعادة . وقيل : علمه إياها بأن اضطره إلى العلم بها . وقيل : علمه
لغة الملائكة ، ثم علمه بتلك اللغة سائر اللغات . وقيل : إنما علمه أسماء الأشخاص
تفسير مجمع البيان — صفحة 152
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٥٢