من مكة ، ولذلك سميت أم القرى . وروي أن قبر نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ،
بين زمزم والركن والمقام . والظاهر أنها الأرض المعروفة وهو الصحيح . وقوله
" قالوا " يعني الملائكة لله تعالى ( أتجعل فيها ) أي : في الأرض ( من يفسد فيها )
بالكفر والمعاصي ، ( ويسفك الدماء ) بغير حق . وذكر فيه وجوه أحدها : إن خلقا
يقال لهم الجان ، كانوا في الأرض ، فأفسدوا فيها ، فبعث الله ملائكة أجلتهم من
الأرض ، وكان هؤلاء الملائكة سكان الأرض من بعدهم ، فقالوا يا ربنا ( أتجعل فيها
من يفسد فيها ) كما فعل بنو الجان . قاسوا بالشاهد على الغائب ، وهو قول كثير من
المفسرين . وثانيها : إن الملائكة إنما قالت ذلك على سبيل الاستفهام ، وعلى وجه
الاستخبار والاستعلام عن وجه المصلحة والحكمة ، لا على وجه الانكار ، ولا على
سبيل الإخبار ، فكأنهم قالوا : يا الله إن كان هذا كما ظننا فعرفنا ما وجه الحكمة فيه .
وثالثها : إن الله تعالى أخبر الملائكة بأنه سيكون من ذرية هذا الخليفة من
يعصي ، ويسفك الدماء على ما روي ، عن ابن عباس ، وابن مسعود . والغرض في
إعلامه إياهم أن يزيدهم يقينا على وجه علمه بالغيب ، لأنه وجد بعد ذلك على ما
أخبرهم به . وقيل : ليعلم آدم أنه خلق للأرض لا للجنة ، فقالت الملائكة : أتجعل
فيها من يفعل كذا وكذا على وجه التعرف لما في هذا من التدبير والاستفادة لوجه
الحكمة فيه . وهذا الوجه يقتضي أن يكون في أول الكلام حذف ، ويكون التقدير :
إني جاعل في الأرض خليفة ، وإني عالم بأنه سيكون في ذريته من يفسد فيها ،
ويسفك الدماء ، فحذف اختصارا .
وكذلك قوله ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك
ونقدس لك ) في ضمنه اختصار شديد أي : فنحن على ما نظنه ويظهر لنا من الأمر
أولى بالخلافة في الأرض ، لأنا نطيع ، وغيرنا يعصي وفي قوله ( إني أعلم ما لا
تعلمون ) اختصار أيضا ، لأنه يتضمن أني أعلم من مصالح المكلفين ما لا تعلمونه ،
وما يكون مخالفا لما تظنونه على ظواهر الأمور . ومثل هذه الحذوف العجيبة ،
والاختصارات البديعة ، كثيرة في القرآن . والحذف معدود في أنواع الفصاحة ، إذا
كان فيما أبقي دليل على ما ألقي . ومما جاء منه في الشعر قول الشنفري :
ولا تقبروني ، إن قبري محرم * عليهم ، ولكن خامري أم عامر
أي : لا تدفنوني ، بل دعوني تأكلني التي يقال لها خامري أم عامر ، يعني
تفسير مجمع البيان — صفحة 148
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٤٨