الغضب عدو للنفس يحول بينها وبين الحق ويدعوها إلى هواها ،
وينبغي لمن قدر ألا يغضب فإنه ، قادر على ما يريد . قال : تكلم . قال :
فبدأ ذو الكفل وافتتح الكلام بذكر الله عز وجل ، والحمد لله ، ثم
قال ذو الكفل : أتزعم أنك إله ؟ فإله من تملك ؟ أو إله جميع الخلق ؟
فإن كنت إله من تملك ، فإن لك شريكا فيما لا تملك ، وإن كنت إله
الخلق ، فمن إلهك ؟ قال له : ويحك ! فمن إلهي ؟ قال : إله السماء
والأرض وهو خالقهما وهذه الشمس والقمر والنجوم ، فاتق الله
واحذر عقوبته ، فإن أنت عبدته ووحدته رجوت لك ثوابا والخلود
في جواره .
قال له الملك : أخبرني ، من عبد إلهك فما جزاؤه ؟ قال :
الجنة إذا مات . قال : وما الجنة ؟ قال : دار خلقها الله تبارك وتعالى
بيده ، فجعلها مسكنا لأوليائه ، يبعثهم يوم القيامة شبابا مردا أبناء
ثلاث وثلاثين سنة ، فيدخلهم الجنة في نعيم وخلود . شباب لا يهرمون ،
مقيمون لا يظعنون ، أحياء لا يموتون ، في نعيم وسرور وبهجة . قال :
فما جزاء من لم يعبده وعصاه ؟ قال : النار ، مقرونين مع الشياطين ،
مغلغلين بالأصفاد ، لا يموتون أبدا ، في عذاب مقيم وهوان طويل ،
تضربهم الزبانية بمقامع من حديد ، طعامهم الزقوم والضريع ، وشرابهم
الحميم . فرق الملك وبكى لما كان قد سبق له . فقال له : إن أنا آمنت
بالله فما لي ؟ قال : الجنة . قال : فمن لي بذلك ؟ قال : أنا لك الكفيل ،
وأكتب لك على الله تبارك وتعالى كتابا ، فإذا أتيته تقاضيته بما في
كتابك ، وفي لك ، فإنه قادر قاهر يوفيك ويزيدك . ففكر الملك في
كتاب التوابين — صفحة 58
مساهمون: عبد الله بن قدامة
ص٥٨