الحاضرين من كانوا يرون رأيه ويؤثرون هواه ، كما يدلّ عليه الحديث الأوّل الذي رواه البخاري بسنده إلى عبيد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عبّاس « 1 » ، وقد سمعت قول ابن عبّاس فيه : فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبيّ كتابا لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر « 2 » .
وكيف كان ، فإنّهم لم يتعبّدوا هنا بنصّه الذي لو تعبّدوا به لأمنوا من الضلال ، بل لم يكتفوا بعدم الامتثال لأمره حتّى ردّوا عليه بقولهم : « حسبنا كتاب اللّه » كما يزيّف أحدنا رأي الآخر ، كأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم بمكان كتاب اللّه منهم ، أو أنّهم أعلم منه بخواصّ كتاب اللّه وفوائده ، وليتهم اكتفوا بهذا كلّه ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك وهو محتضر - بأبي هو وامّي - بينهم ، وأيّ كلمة كانت منهم وداعا له صلى الله عليه وآله وسلم .
وكأ نّهم حيث لم يأخذوا بهذا النصّ اكتفاء منهم بكتاب اللّه على ما زعموا ، لم يسمعوا هتاف « 3 » الكتاب آناء الليل وأطراف النهار في أنديتهم قائلا : «
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
» « 4 » . وكأ نّهم حيث قالوا كلمتهم تلك ، لم يقرأوا قوله تعالى : «
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
» « 5 » ، وقوله عزّ من قائل : «
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
» « 6 » . وقوله سبحانه وتعالى : «
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
هامش
( 1 ) - . تقدّم في ص 110 - 111 .
( 2 ) - . راجع ص 112 .
( 3 ) - . الهتف والهتاف : الصوت الجافي العالي ، وقيل : الصوت الشديد . لسان العرب 344 : 9 ، « ه . ت . ف » .
( 4 ) - . الحشر 7 : 59 .
( 5 ) - . التكوير 19 : 81 - 22 .
( 6 ) - . الحاقّة 40 : 69 - 43 .