النادرة التي فقدت أصولها بمرور الزمن ، واستطاع هو
أن يحفظها لنا من الضياع ، ويصونها من الاندثار . .
وابن أبي الدنيا بارع أشد البراعة في حشد هذه
النصوص التي تخدم موضوعه الذي تخيره للتأليف ،
فهو يستقصى الأحاديث النبوية ، وأقوال الصحابة
رضوان الله عليهم ، وما أثر عن التابعين ، وتابعي
التابعين وأئمة الفقهاء ، والتفسير والأدب ، والزهد
والورع بطريقة لا يكاد يشاركه فيها إلا قلة قليلة من
علماء هذه الأمة الأفذاذ . . فحين تقرأ له على سبيل
المثال لا الحصر - كتابا في الشكر أو في الفرج أو في
مكارم الأخلاق أو في العقل وفضله تحس إحساسا
لا يكذبك أن ابن أبي الدنيا يستقى مادة موضوعه من
معين لا ينضب ماؤه ، ويستمد نصوصه من ذاكرة قوية
قلما تخونه ، وهي نصوص تبدو أحيانا غريبة وعجيبة
ونادرة . . . ولقد دفعه شغفه بجمع هذه النصوص إلى
أن يستشهد ببعض الأحاديث التي لا تكاد تصح ،
والروايات الواهية التي لا يطمئن إليها العقل على الرغم
من المنزلة الرفيعة التي يتبوؤها بين علماء الحديث وفى
مقدمتهم أحمد بن حنبل والنسائي والترمذي وأبو داود
وابن ماجة - فقد أخذوا عليه أنه كان يروى عن
رجل يقال محمد بن إسحاق البلخي ( 1 ) وكان كذابا
الصمت وآداب اللسان — صفحة 12
مساهمون: ابن أبي الدنيا
ص١٢