ونظير هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه
البخاري عن عبد الله بن عمرو : " بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا
حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده في النار " مع قوله - صلى الله عليه
وسلم - في الحديث : " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " .
فإنه رخص في الحديث عنهم ، ومع هذا نهى عن تصديقهم وتكذيبهم ، فلو لم
يكن في التحديث المطلق عنهم فائدة لما رخص فيه ، وأمر به . ولو جاز تصديقهم
بمجرد الإخبار لما نهى عن تصديقهم فالنفوس تنتفع بما تظن صدقه في مواضع .
فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرا وتحديدا ، مثل صلاة في وقت
معين بقراءة معينة ، أو على صفة معينة لم يجز ذلك ، لأن استحباب هذا الوصف
المعين لم يثبت بدليل شرعي ، بخلاف ما لو روي فيه ( من دخل السوق ، فقال : لا
إله إلا الله كان له كذا وكذا ) فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله
بين الغافلين ، كما جاء في الحديث المعروف : " ذاكر الله في الغافلين كالشجرة
الخضراء بين الشجر اليابس " .
فأما تقدير الثواب المروي فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته . وفي مثله جاء
الحديث الذي رواه الترمذي : ( من بلغه عن الله شئ فيه فضل ، فعمل به رجاء
ذلك الفضل ، أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك ) .
فالحاصل : أن هذا الباب يروى ويعمل فيه في الترغيب والترهيب ، لا في
الاستحباب ، ثم اعتقاد موجبه ، وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف عن الدليل
الشرعي " ( 1 ) .
والحق أني أميل إلى سحب منهج المحدثين في النقد إلى المرويات الموقوفة
والمقطوعة والأخبار التاريخية ، والزهدية والمقاطيع الشعرية ما دامت وصلتنا
مسندة . فإن حضور إسنادها يساعد في فحصها وتقييمها .
هامش
( 1 ) ابن تيمية - مجموع الفتاوي : 18 / 65 - 68 .