والعبث والفراغ .
إن طال ليلهم فإنهم ينشغلون بحديث لا ينفع يخوضون فيما يضر
بدينهم وأخلاقهم ، وإن طال نهارهم يقضونه بالنوم ، وهم في ثنايا ذلك بين
العمل والسوق والغفلة السادرة .
والعجب من عاقل يرى الموت ينتزع أهله وأقرانه وجيرانه ثم يظل في غفلته
وانهماكه في لهوه . قال عبد العزيز بن أبي رواد : " من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ
بشئ : الإسلام ، والقرآن ، والشيب " ( 1 ) .
4 - أما المسلمون الذين غزا الشيب رأسهم ، وكبر سنهم فهم أولى بالاتعاظ
والاعتبار .
قال الحافظ ابن الجوزي : " العجب ممن يقول : أخرج إلى المقابر فأعتبر بأهل
البلى . ولو فطن أنه مقبرة ، يغنيه الاعتبار بما فيها عن غيرها ، خصوصا من قد أوغل
في السن ، فإن شهوته ضعفت ، وقواه قلت ، والحواس كلت ، والنشاط فتر ، والشعر
ابيض ، فليعتبر بما فقد ، وليستغن عن ذكر من فقد ، فقد استغنى بما عنده عن
التطلع إلى غيره " ( 2 ) .
5 - كتاب العمر والشيب :
ولهذا الكتاب - الذي من الله علينا بإخراجه لأول مرة - من آثار العلامة
الحافظ الثقة ابن أبي الدنيا البغدادي ( ت 281 ه ) ، يتجلى فحواه من عنوانه ، فإنه
عمل تربوي هادف ، أراد من ورائه أن ينبه جيل المسلمين إلى قيمة الوقت ، وأهمية
العمر ، ليغتنموا الساعات قبل أن تخترمهم المنية ويخسروا صفقة العمر ، أو يغزوهم
الشيب ويضعفهم الكبر ، فيذهب الشباب بحماسه ونشاطه وفتوته وحيويته ،
فيستيقظون وقد خارت القوى ، ودبت الأمراض والأوجاع ، وقرب الرحيل
فيندمون على التفريط في زمن البذر والغراس .
هامش
( 1 ) العمر والشيب ( 40 )
( 2 ) صيد الخاطر ( 315 ) .