تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 3043

مساهمون:

ص٣٠٤٣
نزول العذاب ومجئ الطوفان : حتى إذا تمت صنعة الفلك وجاء أمر الله وفار التنور أوحى الله تعالى إليه أن يحمل في السفينة من كل من الحيوان زوجين اثنين ، وأن يحمل أهله إلا من سبق عليه القول الإلهي بالغرق وهو امرأته الخائنة وابنه الذي تخلف عن ركوب السفينة ، وأن يحمل الذين آمنوا ( سورتا هود والمؤمنون ) ، فلما حملهم وركبوا جميعا فتح الله أبواب السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ( سورة القمر ) وعلا الماء وارتفعت السفينة عليه وهي تسير في موج كالجبال ( سورة هود ) فأخذ الناس الطوفان وهم ظالمون ، وقد أمره الله تعالى إذا استوى هو ومن معه على الفلك أن يحمد الله على ما نجاه من القوم الظالمين وأن يسأله البركة في نزوله فيقول : الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ، ويقول : رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين . قضاء الأمر ونزوله ومن معه إلى الأرض : فلما عم الطوفان وأغرق الناس ( كما يظهر من سورة الصافات آية 77 ) أمر الله الأرض أن تبلع ماءها والسماء أن تقلع وغيض الماء واستوت السفينة على جبل الجودي وقيل : بعدا للقوم الظالمين ، وأوحي إلى نوح ( عليه السلام ) أن اهبط إلى الأرض بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك فلا يأخذهم بعد هذا طوفان عام ، ومنهم أمم سيمتعهم الله بأمتعة الحياة ثم يمسهم عذاب أليم ، فخرج هو ومن معه ونزلوا الأرض يعبدون الله بالتوحيد والإسلام ، وتوارثت ذريته ( عليه السلام ) الأرض وجعل الله ذريته هم الباقين ( سورتا هود والصافات ) . قصة ابن نوح الغريق : كان نوح ( عليه السلام ) عندما ركب السفينة لم يركبها واحد من أبنائه ، وكان لا يصدق أباه في أن من تخلف عنها فهو غريق لا محالة ، فرآه أبوه وهو في معزل فناداه : يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ، فرد على أبيه قائلا : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ، قال نوح ( عليه السلام ) : لا عاصم اليوم من الله إلا من رحم - يريد أهل السفينة - فلم يلتفت الابن إلى قوله وحال بينهما الموج فكان من المغرقين . ولم يكن نوح ( عليه السلام ) يعلم منه إبطان الكفر كما كان يعلم ذلك من امرأته ، ولو كان علم ذلك لم يحزنه أمره وهو القائل في دعائه : * ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) * ( 1 ) الدعاء ، وهو القائل : * ( فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين ) * ( 2 ) وقد سمع قوله تعالى فيما أوحى إليه : * ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) * ( 3 ) . فوجد نوح ( عليه السلام ) وحزن فنادى ربه من وجده قائلا : رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وعدتني بإنجاء أهلي وأنت أحكم الحاكمين لا تجور في حكمك ولا تجهل في
هامش
( 1 ) نوح : 27 . ( 2 ) الشعراء : 118 . ( 3 ) هود : 37 .
ميزان الحكمة — صفحة 3043 | محمد الريشهري / مؤسسة دار الحديث الثقافية