نزول العذاب ومجئ الطوفان :
حتى إذا تمت صنعة الفلك وجاء أمر الله وفار
التنور أوحى الله تعالى إليه أن يحمل في السفينة
من كل من الحيوان زوجين اثنين ، وأن يحمل
أهله إلا من سبق عليه القول الإلهي بالغرق وهو
امرأته الخائنة وابنه الذي تخلف عن ركوب
السفينة ، وأن يحمل الذين آمنوا ( سورتا هود
والمؤمنون ) ، فلما حملهم وركبوا جميعا فتح الله
أبواب السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيونا
فالتقى الماء على أمر قد قدر ( سورة القمر ) وعلا
الماء وارتفعت السفينة عليه وهي تسير في موج
كالجبال ( سورة هود ) فأخذ الناس الطوفان وهم
ظالمون ، وقد أمره الله تعالى إذا استوى هو ومن
معه على الفلك أن يحمد الله على ما نجاه من
القوم الظالمين وأن يسأله البركة في نزوله فيقول :
الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ، ويقول :
رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين .
قضاء الأمر ونزوله ومن معه إلى الأرض :
فلما عم الطوفان وأغرق الناس ( كما يظهر
من سورة الصافات آية 77 ) أمر الله الأرض أن
تبلع ماءها والسماء أن تقلع وغيض الماء
واستوت السفينة على جبل الجودي وقيل : بعدا
للقوم الظالمين ، وأوحي إلى نوح ( عليه السلام ) أن اهبط
إلى الأرض بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم
ممن معك فلا يأخذهم بعد هذا طوفان عام ،
ومنهم أمم سيمتعهم الله بأمتعة الحياة ثم
يمسهم عذاب أليم ، فخرج هو ومن معه ونزلوا
الأرض يعبدون الله بالتوحيد والإسلام ، وتوارثت
ذريته ( عليه السلام ) الأرض وجعل الله ذريته هم الباقين
( سورتا هود والصافات ) .
قصة ابن نوح الغريق :
كان نوح ( عليه السلام ) عندما ركب السفينة لم يركبها
واحد من أبنائه ، وكان لا يصدق أباه في أن من
تخلف عنها فهو غريق لا محالة ، فرآه أبوه وهو
في معزل فناداه : يا بني اركب معنا ولا تكن مع
الكافرين ، فرد على أبيه قائلا : سآوي إلى جبل
يعصمني من الماء ، قال نوح ( عليه السلام ) : لا عاصم اليوم
من الله إلا من رحم - يريد أهل السفينة - فلم
يلتفت الابن إلى قوله وحال بينهما الموج فكان
من المغرقين .
ولم يكن نوح ( عليه السلام ) يعلم منه إبطان الكفر كما
كان يعلم ذلك من امرأته ، ولو كان علم ذلك لم
يحزنه أمره وهو القائل في دعائه : * ( رب لا تذر
على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم
يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) * ( 1 )
الدعاء ، وهو القائل : * ( فافتح بيني وبينهم فتحا
ونجني ومن معي من المؤمنين ) * ( 2 ) وقد سمع قوله
تعالى فيما أوحى إليه : * ( ولا تخاطبني في الذين
ظلموا إنهم مغرقون ) * ( 3 ) .
فوجد نوح ( عليه السلام ) وحزن فنادى ربه من وجده
قائلا : رب إن ابني من أهلي وإن وعدك
الحق وعدتني بإنجاء أهلي وأنت أحكم
الحاكمين لا تجور في حكمك ولا تجهل في
هامش
( 1 ) نوح : 27 .
( 2 ) الشعراء : 118 .
( 3 ) هود : 37 .