الإنفاق المندوب كالانفاق الواجب ، لا مجرد عدم
الإنفاق مع صلاحية الموضوع لذلك .
وبذلك يتبين أيضا معنى ما خاطب به أبو ذر
عثمان بن عفان لما دخل عليه على ما تقدم في
رواية الطبري حيث قال له : لا ترضوا من الناس
بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف ، وقد ينبغي
لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى
الجيران والإخوان ويصل القرابات .
فإن لفظه كالصريح أو هو صريح في أنه لا يرى كل
إنفاق فيما يفضل من المؤنة بعد الزكاة واجبا ،
وأنه يقسم الإنفاق في سبيل الله إلى ما يجب وما
ينبغي ، غير أنه يعترض بانقطاع سبل الإنفاق من
غير جهة الزكاة وانسداد باب الخيرات بالكلية ،
وفي ذلك إبطال غرض التشريع وإفساد المصلحة
العامة المشرعة .
يقول : ليست هي حكومة استبدادية
قيصرانية أو كسروانية ، لا وظيفة لها إلا بسط
الأمن وكف الأذى بالمنع عن إيذاء بعض الناس
بعضا ، ثم الناس أحرار فيما فعلوا غير ممنوعين
عما اشتهوا من عمل أفرطوا أو فرطوا ، أصلحوا أو
أفسدوا ، اهتدوا أو ضلوا وتاهوا ، والمتقلد
لحكومتهم حر فيما عمل ولا يسأل عما يفعل .
وإنما هي حكومة اجتماعية دينية لا ترضى
عن الناس بمجرد كف الأذى ، بل تسوق الناس
في جميع شؤون معيشتهم إلى ما يصلح لهم
ويهيئ لكل من طبقات المجتمع - من أميرهم
ومأمورهم ورئيسهم ومرؤوسهم ومخدومهم
وخادمهم وغنيهم وفقيرهم وقويهم وضعيفهم - ما
يسع له من سعادة حياتهم ، فترفع حاجة الغني
بإمداد الفقير وحاجة الفقير بمال الغني ، وتحفظ
مكانة القوي باحترام الضعيف وحياة الضعيف
برأفة القوي ومراقبته ، ومصدرية العالي بطاعة
الداني وطاعة الداني بنصفة العالي وعدله ، ولا يتم
هذا كله إلا بنشر المبرات وفتح باب الخيرات ،
والعمل بالواجبات على ما يليق بها والمندوبات
على ما يليق بها ، وأما القصر على القدر الواجب
وترك الإنفاق المندوب من رأس فإن فيه هدما
لأساس الحياة الدينية ، وإبطالا لغرض الشارع ،
وسيرا حثيثا إلى نظام مختل وهرج ومرج وفساد
عريق لا يصلحه شئ ، كل ذلك عن المسامحة في
إحياء غرض الدين ، والمداهنة مع الظالمين * ( إلا
تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) * .
وكذلك قول أبي ذر لمعاوية فيما تقدم من
رواية الطبري : ما يدعوك إلى أن تسمي مال
المسلمين مال الله ؟ قال : يرحمك الله يا أبا ذر
ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر
أمره ؟ قال : فلا تقله .
فإن الكلمة التي كان يقولها معاوية وعماله
ومن بعده من خلفاء بني أمية وإن كانت كلمة حق
وقد رويت عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويدل عليها كتاب الله ،
لكنهم كانوا يستنتجون منه خلاف ما يريده الله
سبحانه ، فإن المراد به أن المال لا يختص به أحد
بعزة أو قوة أو سيطرة وإنما هو لله ينفق في سبيله
على حسب ما عينه من موارد إنفاقه ، فإن كان مما
اقتناه الفرد بكسب أو إرث أو نحوهما فله حكمه ،
وإن كان مما حصلته الحكومة الإسلامية من
ميزان الحكمة — صفحة 2989
مساهمون: محمد الريشهري
ص٢٩٨٩