تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 2989

مساهمون:

ص٢٩٨٩
الإنفاق المندوب كالانفاق الواجب ، لا مجرد عدم الإنفاق مع صلاحية الموضوع لذلك . وبذلك يتبين أيضا معنى ما خاطب به أبو ذر عثمان بن عفان لما دخل عليه على ما تقدم في رواية الطبري حيث قال له : لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف ، وقد ينبغي لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات . فإن لفظه كالصريح أو هو صريح في أنه لا يرى كل إنفاق فيما يفضل من المؤنة بعد الزكاة واجبا ، وأنه يقسم الإنفاق في سبيل الله إلى ما يجب وما ينبغي ، غير أنه يعترض بانقطاع سبل الإنفاق من غير جهة الزكاة وانسداد باب الخيرات بالكلية ، وفي ذلك إبطال غرض التشريع وإفساد المصلحة العامة المشرعة . يقول : ليست هي حكومة استبدادية قيصرانية أو كسروانية ، لا وظيفة لها إلا بسط الأمن وكف الأذى بالمنع عن إيذاء بعض الناس بعضا ، ثم الناس أحرار فيما فعلوا غير ممنوعين عما اشتهوا من عمل أفرطوا أو فرطوا ، أصلحوا أو أفسدوا ، اهتدوا أو ضلوا وتاهوا ، والمتقلد لحكومتهم حر فيما عمل ولا يسأل عما يفعل . وإنما هي حكومة اجتماعية دينية لا ترضى عن الناس بمجرد كف الأذى ، بل تسوق الناس في جميع شؤون معيشتهم إلى ما يصلح لهم ويهيئ لكل من طبقات المجتمع - من أميرهم ومأمورهم ورئيسهم ومرؤوسهم ومخدومهم وخادمهم وغنيهم وفقيرهم وقويهم وضعيفهم - ما يسع له من سعادة حياتهم ، فترفع حاجة الغني بإمداد الفقير وحاجة الفقير بمال الغني ، وتحفظ مكانة القوي باحترام الضعيف وحياة الضعيف برأفة القوي ومراقبته ، ومصدرية العالي بطاعة الداني وطاعة الداني بنصفة العالي وعدله ، ولا يتم هذا كله إلا بنشر المبرات وفتح باب الخيرات ، والعمل بالواجبات على ما يليق بها والمندوبات على ما يليق بها ، وأما القصر على القدر الواجب وترك الإنفاق المندوب من رأس فإن فيه هدما لأساس الحياة الدينية ، وإبطالا لغرض الشارع ، وسيرا حثيثا إلى نظام مختل وهرج ومرج وفساد عريق لا يصلحه شئ ، كل ذلك عن المسامحة في إحياء غرض الدين ، والمداهنة مع الظالمين * ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) * . وكذلك قول أبي ذر لمعاوية فيما تقدم من رواية الطبري : ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله ؟ قال : يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره ؟ قال : فلا تقله . فإن الكلمة التي كان يقولها معاوية وعماله ومن بعده من خلفاء بني أمية وإن كانت كلمة حق وقد رويت عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويدل عليها كتاب الله ، لكنهم كانوا يستنتجون منه خلاف ما يريده الله سبحانه ، فإن المراد به أن المال لا يختص به أحد بعزة أو قوة أو سيطرة وإنما هو لله ينفق في سبيله على حسب ما عينه من موارد إنفاقه ، فإن كان مما اقتناه الفرد بكسب أو إرث أو نحوهما فله حكمه ، وإن كان مما حصلته الحكومة الإسلامية من
ميزان الحكمة — صفحة 2989 | محمد الريشهري / مؤسسة دار الحديث الثقافية