تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 2987

مساهمون:

ص٢٩٨٧
ولا طرفة عين ، فإنما يتزود الإنسان من مجتمعه بأن يحرز أمورا من أوليات المادة الأرضية ويعمل عليها ما يسعه من العمل ثم يقتني من ذلك لنفسه ما يحتاج إليه ، ويعوض ما يزيد على حاجته من سائر ما يحتاج إليه مما عند غيره من أفراد المجتمع ، كالخباز يأخذ لنفسه من الخبز ما يقتات به ويعوض الزائد عليه من الثوب الذي نسجه النساج . . . وهكذا ، فإنما أعمال المجتمعين في ظرف اجتماعهم بيع وشرى ومبادلة ومعاوضة . والذي يتحصل من الأبحاث الاقتصادية أن الإنسان الأولي كان يعوض في معاملاته العين بالعين من غير أن يكونوا متنبهين لأزيد من ذلك ، غير أن النسب بين الأعيان كانت تختلف عندهم باشتداد الحاجة وعدمه ، وبوفور الأعيان المحتاج إليها وإعوازها ، فكلما كانت العين أمس بحاجة الإنسان أو قل وجودها توفرت الرغبات إلى تحصيلها ، وارتفعت نسبتها إلى غيرها ، وكلما بعدت عن مسيس الحاجة أو ابتذلت بالكثرة والوفور انصرفت النفوس عنها وانخفضت نسبتها إلى غيرها ، وهذا هو أصل القيمة . ثم إنهم عمدوا إلى بعض الأعيان العزيزة الوجود عندهم فجعلوها أصلا في القيمة تقاس إليه سائر الأعيان المالية بمالها من مختلف النسب كالحنطة والبيضة والملح ، فصارت مدارا تدور عليها المبادلات السوقية ، وهذه السليقة دائرة بينهم في بعض المجتمعات الصغيرة في القرى وبين القبائل البدوية حتى اليوم . ولم يزالوا على ذلك حتى ظفروا ببعض الفلزات كالذهب والفضة والنحاس ونحوها ، فجعلوها أصلا إليه يعود نسب سائر الأعيان من جهة قيمها ، ومقياسا واحدا يقاس إليها غيرها ، فهي النقود القائمة بنفسها وغيرها يقوم بها . ثم آل الأمر إلى أن يحوز الذهب المقام الأول والفضة تتلوه ، ويتلوها غيرهما ، وسكت الجميع بالسكك الملوكية أو الدولية ، فصارت دينارا ودرهما وفلسا وغير ذلك بما يطول شرحه على خروجه من غرض البحث . فلم يلبث النقدان حتى عادا أصلا في القيمة بهما يقوم كل شئ ، وإليهما يقاس ما عند الإنسان من مال أو عمل ، وفيهما يرتكز ارتفاع كل حاجة حيوية ، وهما ملاك الثروة والوجد كالمتعلق بهما روح المجتمع في حياته يختل أمره باختلال أمرهما ، إذا جريا في سوق المعاملات جرت المعاملات بجريانهما ، وإذا وقفا وقفت . وقد أوضحت ما عليهما من الوظيفة المحولة إليهما في المجتمعات الإنسانية - من حفظ قيم الأمتعة والأعمال ، وتشخيص نسب بعضها إلى بعض - الأوراق الرسمية الدائرة اليوم فيما بين الناس كالبوند والدولار وغيرهما والصكوك البنجية المنتشرة فإنها تمثل قيم الأشياء من غير أن تتضمن عينية لها قيمة في نفسها ، فهي قيم خالصة مجردة تقريبا . فالتأمل في مكانة الذهب والفضة الاجتماعية - بما هما نقدان حافظان للقيم ، ومقياسان يقاس إليهما الأمتعة والأموال بمالها من النسب الدائرة