فإنها في الجمل الإنشائية تختص بما إذا قصد المتكلم إيجاد المعنى في الخارج ،
وفي الجمل الخبرية تختص بما إذا قصد الحكاية عنه ( 1 ) .
أقول : ما ذكره ( قدس سره ) مبني على ما هو المشهور بينهم ، بل المتسالم عليه : من أن
الجمل الخبرية موضوعة لثبوت النسبة في الخارج أو عدم ثبوتها فيه ، فإن طابقت
النسبة الكلامية النسبة الخارجية فصادقة ، وإلا فكاذبة . وأن الجمل الإنشائية
موضوعة لإيجاد المعنى في الخارج الذي يعبر عنه بالوجود الإنشائي ، كما
صرح ( قدس سره ) به في عدة من الموارد ( 2 ) ، وقال : إن الوجود الإنشائي نحو من الوجود ،
هامش
( 1 ) وقد أورد عليه بعض الأعاظم - ( قدس سرهم ) - على ما نسب إليه بعض مقرري بحثه : من أن لازم
تقوم الإنشاء بقصد الإيجاد وتقوم الخبر بقصد الحكاية أن يكون الكلام الصادر من المتكلم
إذا لم يقصد به أحد الأمرين ، لا إن شاء ولا خبرا .
وهذا فاسد ، لانحصار الكلام الذي يصح السكوت عليه فيهما وإن لم يكن قاصدا
لأحدهما . هذا أولا .
وثانيا : لزوم تعلق القصد بالقصد في مقام الإنشاء والإخبار ، لأنهما فعلان اختياريان
محتاجان إلى القصد . والمفروض : أن هنا قصدا سابقا عليه مقوما لهما فيلزم تعلقه به ، وهذا
خلاف الوجدان والبرهان .
ولكن لا يمكن المساعدة عليه ، فلأن ما ذكره أولا يرد عليه : أن الكلام المفيد الذي يصح
السكوت عليه لا ينفك عن قصد الحكاية أو الإنشاء كما هو ظاهر .
ويرد على ما ذكره ثانيا : أنه مبني على أخذ الإرادة في المعنى الموضوع له والمستعمل فيه ،
ولكن الأمر ليس كذلك ، فإن المعنى الموضوع له على ما هو عليه من الإطلاق والسعة من
دون تقييده بقصد الحكاية والإيجاد ، بل هي مأخوذة في العلقة الوضعية ، بمعنى : أنها تقيدت
في الإنشاء بقصد الإيجاد في مقام الاستعمال ، وبقصد الحكاية في الإخبار . راجع نهاية
الأفكار : ج 1 ص 57 ، وبدائع الأفكار ج 1 ص 63 .
( 2 ) منها : ما في الكفاية ص 87 ، فقال في مقام بيان اتحاد الإرادة والطلب ما لفظه : ( المراد
بحديث الاتحاد : ما عرفت من العينية مفهوما ووجودا حقيقيا وإنشائيا ) . وقال في موضع
آخر ص 87 : ( وأما الصيغ الإنشائية فهي - على ما حققنا في بعض فوائدنا - موجدة لمعانيها
في نفس الأمر ، أي : قصد ثبوت معانيها وتحققها بها ، وهذا نحو من الوجود ) . وانظر الفوائد
الأصولية : الفائدة الأولى : ص 17 - 19 .