وتزجي السحاب من موضع إلى موضع ، ليعم نفعه ، حتى يستكشف فيمطر ،
وتفضه حتى يستخف فيتفشى وتلقح الشجر ، وتسير السفن ، وترخى
الأطعمة وتبرد الماء ، وتشب النار ، وتجفف الأشياء الندية ، وبالجملة إنها
تحيي كل ما في الأرض . . . فلولا الريح لذوي النبات ، ولمات الحيوان ،
وحمت الأشياء وفسدت .
( هيئة الأرض )
فكر يا مفضل فيما خلق الله عز وجل عليه الجواهر الأربعة ( 1 ) ليتسع
ما يحتاج إليه منها . . فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها ، فلولا ذلك كيف
كانت تتسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم
والعقاقير العظيمة والمعادن الجسيم غناؤها . ولعل من ينكر هذه الفلوات ( 2 )
الخاوية والقفار الموحشة . فيقول : ما المنفعة فيها ؟ فهي مأوى هذه الوحوش
ومحالها ومراعيها ، ثم فيها بعد تنفس ، ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى
الاستبدال بأوطانهم ، فكم بيداء وكم فدفد ( 3 ) حالت قصورا وجنانا ، بانتقال
الناس إليها وحلولهم فيها ، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو
في حصار ضيق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا أحزنه أمر يضطره إلى الانتقال
عنه .
هامش
( 1 ) المراد بالجواهر الأربعة هي التراب والماء والهواء والنار ، والمعروف أن المفكر اليوناني
إمبذوقليس ( 495 - 435 ) ق . م . قد رد الكون إلى تلك العناصر أو الجواهر
الأربعة التي هي في رأيه لا تفتأ في اتصال وانفصال يكونان سببا في نشأة الأشياء
واختلاف صفاتها تبعا للاختلاف في نسبة المزج بين العناصر . . ولا يخفى أن ما ذهب
إليه إمبذوقليس هذا في التفريق بين صفات العناصر وصفات الأشياء التي تركت منها
تباين ظاهر وتناقص واضح .
( 2 ) الفلوات جمع فلات وهي الصحراء الواسعة .
( 3 ) الفدفد : الفلاة والجمع فدافد .